كتبت قبل شهر مقالاً عن ترشيح الرئيس بوش لدوجلاس فايث لشغل منصب وكيل وزارة الدفاع لشئون السياسة، ولأن هذا المنصب يعد أحد أبرز أربعة مناصب يتولى شاغلوها المسئولية عن «كل الأمور المتعلقة بصياغة سياسة الأمن القومي، والدفاع» ولأن فايث من الصقور المتشددين المؤيدين لتكتل الليكود الاسرائيلي فقد وصفت ذلك بأنه «تعيين خطر». وقد تركز مقالي السابق على تمحيص كتابات فايث المؤيدة لاسرائيل، ويكشف مجمل كتاباته عن تحيز ايديولوجي قوي ضد العرب، وأشرت كذلك إلى صلته الوثيقة بالجماعات المؤيدة لتكتل الليكود، وفي مقدمتها منظمة أمريكا الصهيونية وقيام شركة المحاماة الخاصة به بالترويج على المستوى الدولي لصناعة الأسلحة الأمريكية. وفي الأسابيع الأخيرة ظهر المزيد من المعلومات عن أنشطة فايث، مما أثار المزيد من القلق من جراء ترشيحه لشغل هذا المنصب. والمجموعة الأولى من الطروحات في هذا الشأن هي أسئلة تتعلق بأداء فايث خلال الفترتين السابقتين من خدمته في صفوف الحكومة، فخلال إدارة ريجان الأولى عمل فايث تحت رئاسة ريتشارد الين في فريق العاملين في شئون الأمن القومي بالبيت الأبيض، وقد ذكر ان الين هو الذي أعطى «الضوء الأخضر» لاسرائيل لتنفيذ غزوها المدمر للبنان في عام 1982. وعندما حل وليام كلارك محل الين في البيت الأبيض أعفى فايث من منصبه وترددت في ذلك الوقت طروحات حول انحيازه لاسرائيل وضلوعه معها. وخلال ادارة ريجان الثانية عاود فايث الظهور مجدداً كجزء من فريق ريتشارد بيرل في البنتاجون، وبيرل صقر سييء الصيت من صقور الحرب الباردة، ومتشدد مؤيد لاسرائيل ينتمي إلى المحافظين الجدد، وفي البنتاجون وصفه الأصدقاء والأعداء على السواء بأنه «أمير الظلام». ولم يشمل الفريق الذي جمعه بيرل ممن يشاركونه التفكير فايث وحده وإنما ستيفين براين وقد اتهم هذا الأخير خلال خدمته كأحد المساعدين في لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية في السبعينيات، بنقل أسرار عسكرية أمريكية لإسرائيل، وقد نقل من منصبه، وهناك عضو ثالث في هذه المجموعة هو فرانك جافني الذي قام شأن فايث بتقديم كم هائل من الكتابات المعادية للعرب في الصحف والمجلات اليمينية الأمريكية. وخلال فترة عمل هذه المجموعة في البنتاجون عملت بنشاط على توثيق العلاقات الأمريكية ـ الاسرائيلية على حساب الصلات العربية الأمريكية، وقد قيل على سبيل المثال ان فايث عمل بشكل مكثف على معارضة قرار الرئيس ريجان بنقل طائرات «الأواكس» إلى السعودية. ولدى ترك بيرل وفايث لمنصبيهما مباشرة شكلا فريقاً لبيع صلاتهما كمشاركين في لوبي أجنبي، وكانا من أوائل من تعاونوا معه الحكومة التركية. وفي عام 1989 سجل فايث مؤسسة انترناشيونال أدفايسورز كوكيل أجنبي يمثل حكومة تركيا، وورد في وثائق رسمية ان من الأهداف الرئيسية المسجلة لهذه المؤسسة «الترويج الدفاعي للتعاون الأمريكي ـ التركي الصناعي الدفاعي». ولقيت هذه الخطوة الترحيب في الصحافة التربية باعتبارها توجد «مناخاً أكثر دفئا» بين تركيا والأعضاء المحافظين في الكونجرس الأمريكي، و «اللوبي اليهودي القوي في الولايات المتحدة» وساد الاعتقاد بأن هذه العلاقات سوف تساعد في تقوية صلات تركيا العسكرية وانجاز الصفقات التي تنشدها من الأسلحة الأمريكية. وقد وصفته مؤسسة «انترناشيونال ادفايسورز» في الصحافتين التركية والأمريكية بأنها من بنات أفكار بيرل وذكرت «وول ستريت جورنال» في أوائل 1989 فيما يتعلق بإنشاء هذه المؤسسة ما يلي: «أسس ريتشارد بيرل الذي أشرف من بين أمور أخرى على المساعدة الأمريكية لتركيا خلال فترة عمله بالنتاجون التي امتدت سبع سنوات، شركة في واشنطن للضغط باتجاه تحقيق مصالح تركيا. وهذه الشركة التي تحمل اسم مؤسسة انترناشيونال أدفايسرز يتولى رئاستها ثلاثة رجال، من بينهم اثنان عملا تحت رئاسة بيرل في وزارة الدفاع، وجاء في بيان أودعته الشركة لدى وزارة العدل انها «سوف تساعد في الجهود المبذولة في تخصيص المساعدة العسكرية والاقتصادية الأمريكية لتركيا. غير ان بيرل اعترض على هذا الطرح قائلا: ان هذه المؤسسة ليست مجموعته، وزعم انه مجرد «مستشار»، وأشار فضلا عن ذلك بقوله: «انني أجد أنه من غير المقبول بالمرة هذا العمل الذي في اطاره يترك الناس الحكومة، وتفاجأ عقب ذلك بأنهم على الجانب الآخر من الطاولة يتفاوضون مع الولايات المتحدة. وفي رسالة إلى رئيس تحرير «وول ستريت» جورنال» فصل بيرل القول فيما يتعلق بمنصبه بالاشارة إلى «انني لم أنشئ شركة للدفاع عن مصالح تركيا، فالشركة التي يشير إليها التقرير وهي مؤسسة «انترناشيونال ادفايسرز أنشأها دوجلاس فايث، وهو محام في واشنطن، وأنا لست حامل أسهم للشركة، ولا مديرها ولا مسئولا بها، ولا أحد موظفيها، ولن أضغط من أجل مصالح الحكومة التركية، ولن أمثلها، وإنما سأتولى رئاسة مجلس استشاري يجري تشكيله الآن فحسب. وفي حقيقة الأمر فإنه في وثائق رسمية أودعتها هذه المؤسسة خلال الفترة من عام 1989 إلى عام 1994 تم ادراج اسم فايث باعتباره الرئيس التنفيذي لهذه المؤسسة وحامل اسهمها الوحيد، وقد أودعت هذه الوثائق في وحدة تسجيل الوكلاء الأجانب بالقسم الجنائي بوزارة العدل الأمريكية. غير انه في تقرير نصف سنوي أودعته هذه المؤسسة خلال الفترة من 1989 إلى 1994 لدى الوزارة يرد اسم ريتشارد بيرل باعتباره الاستشاري الوحيد الأعلى أجراً في المجموعة والذي يحصل على 48 ألف دولار سنويا. أما فايث نفسه فيحصل على 60 ألف دولار سنويا، أما شركة المحاماة الخاصة به وهي شركة فايث اندزيل فقد تلقت مئات الألوف من الدولارات من هذه المؤسسة. وما يثير القلق كذلك يتمثل في الحقيقة القائلة انه خلال ست سنوات تقريبا سجل فايث ومؤسسة انترناشيونال ادفايسرز رسميا باعتبارهما وكيلين أجنبيين لحكومة تركيا. ومضى فايث وعدد من الأفراد العاملين كموظفين بهذه المؤسسة والذين يتلقون مدفوعات منها في الحصول على مساهمات بعشرات الألوف من الدولارات من منظمة «باك» المؤيدة لاسرائيل وأعضاء مجلس الشيوخ والنواب والمؤيدون لها، وفي سجلات موثقة في لجنة الانتخابات الفيدرالية تربع فايث نفسه بأكثر من خمسة عشر ألف دولار خلال هذه الفترة، وفي بعض الأحيان سجل مؤسسة انترناشيونال ادفايسرز وهي وكيل أجنبي باعتبارها مقر عمله. وقد تصادف ان التنظيم الوحيد المؤيد لاسرائيل الذي تبرع له فايث بمبلغ 3500 دولار كان لجنة واشنطن للعمل السياسي الذي يتولى رئاستها موريس عميتاي المسئول السابق في منظمة «إيباك» المؤيدة لاسرائيل، وهو واحد من أقدم أعضاء مؤسسة انترناشيونال أدفايسرز. وتمثل اثنان من أكبر متلقي تبرعات فايث في السناتور روبرت باكوود وعضو مجلس النواب دان بيرتون. وفي مقال نشر في 1997 في صحيفة «تشارلزتون ديلي ميل» اتهم بيرتون بأنه جعل موقفه في العديد من قضايا السياسة الخارجية يتأثر بالتبرعات لحملته الانتخابية المقدمة من وكلاء أجانب، وأورد هذا المقال بصفة خاصة فايث ضارباً به هذا المثال: «قام بيرتون، وهو مؤيد قوي لتركيا، بإلقاء خطاب من فوق منصة مجلس النواب ليدين الجهود المبذولة لقطع كل المساعدات لتلك البلاد [المقصود تركيا] بسبب الانتقادات الموجهة لسجلها في مجال حقوق الانسان (دعوني أقدم لزملائي بعض الحقائق عن تركيا وعن المشكلة الأرمينية) قال بيرتون ذلك وهو ينطلق في تقديم صورة تاريخية. وتواصل الخطاب، وتضمن بصورة حرفية مواد موزعة على أعضاء مجلس النواب من قبل كابيتولاين، وهي شركة تعمل لخدمة مصالح تركيا، وعلى امتداد سنوات عديدة عندما كانت شركة دوجلاس فايث المساعد السابق للرئيس ريجان تتلقى مدفوعات سنوية قيمتها ستمائة ألف دولار لخدمة مصالح تركيا، كان مكتب فايث يجري اتصالا منتظماً مع بيرتون ومساعديه، وعلى امتداد سنوات قدم فايث تبرعات لحفنة من أعضاء الكونجرس من بينهم بيرتون الذي تبرع له على الأقل بمبلغ 2250 دولاراً. ومؤخراً شكل فايث وبيرل فريقاً لتمثيل كيان أجنبي آخر، هو حكومة البوسنة، ويقول ريتشارد هولبروك المفاوض الأمريكي الأساسي في محادثات سلام دايتون ان بيريل وفايث عملا لصالح البوسنيين وقدما لهم الاستشارات خلال المحادثات، غير انهما هذه المرة لم يسجلا وضعهما هذا في وثائق وزارة العدل باعتبارهما وكيلين أجنبيين كما هو مطلوب منهما. وينبغي كذلك تذكر ان كلا من فايث وبيرل قد عملا معاً في عام 1996 لإعداد الوثيقة التي تحمل عنوان «قطيعة جلية» استراتيجية جديدة لأمن المنطقة. والتي قدمت النصح لرئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك بنيامين نتانياهو فيما يتعلق بالقضايا التي يتعين طرحها والصياغة التي ينبغي استخدامها خلال زيارته الأولى للولايات المتحدة في يوليو من ذلك العام. والآن يتعين القول انه بينما (حسبما يقر بيرل) يبدو ذلك كله مقيتا، وفي حالة التبرعات للمنظمات المؤيدة لاسرائيل موضع تساؤل على الأقل، فإنه ما من شيء فيه يعد غير قانوني، ولكنه يثير تساؤلات جدية حول ملاءمة فايث للاضطلاع بمنصب وكيل وزارة الدفاع المسئول عن تطوير سياسة فيما يتعلق بالمضي قدما بالتحالفات والعلاقات الدفاعية مع الحكومات الأجنبية ومؤسساتها العسكرية والمنظمات الدولية، والتطوير والتنسيق والاشراف على تنفيذ استراتيجية وسياسية الأمن الدولي ... فيما يتعلق بقضايا .. تتعلق بالحكومات الأجنبية ومؤسساتها العسكرية. ـ رئيس المعهد الأمريكي العربي