إن كل متتبع لحلقات الصراع المسلح بين الفلسطينيين والاسرائيليين، يشعر بالحزن والسرور معاً، وتغمره أحاسيس الأسى والغبطة، في آن واحد، فمن الوجهة السلبية، هناك عدم تكافؤ بين القوتين المتحاربتين، لأن اسرائيل دولة مدججة بالسلاح، ومزودة بأرقى أدوات التكنولوجيا، وجنودها مدربون في أحدث الكليات الحربية، بينما نجد الفلسطينيين يستعملون الحجارة والزجاجات الحارقة، ولم يبدأوا إلا مؤخرا في استخدام أدوات أكثر تطوراً، مثل قذائف الهاون. أما على الصعيد الايجابي، فإن مجرد قدرتهم على الوقوف على أقدامهم وعلى إلحاق الخسائر البشرية والمادية وبث الرعب في صفوف أعدائهم، تدعو إلى الكثير من الفخر والاعتزاز، لا سيما في ضوء محدودية امكاناتهم الحربية وعدم التواصل الجغرافي بين أراضيهم. وبصرف النظر عن المبادرة المصرية الأردنية وزيارة بيريز للقاهرة وعمان ثم واشنطن، وعلى الرغم من كل الجهود التي تبذل لاستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وسواء نجحت أم أخفقت، فإن من المتوقع ان نشهد مستقبلا حركات مد وجزر، وصعود وهبوط في العمليات العسكرية والتفاوضية، معا، أي انه سوف يكون هناك تصعيد للنشاطات الحربية حينا، وتخفيف لحدتها في حين آخر. والأمر نفسه ينطبق على المفاوضات التي يتوقع ان نشهد استئنافا لها في مرحلة، ثم توقفا، ثم عودة، ثم تعليقا لها في مراحل أخرى وهكذا. أي ان الخط البياني للقتال أو للتفاوض، لن يكون ثابتاً أو منتظما، وبعد انتهاء اللعبة والحركة التذبذبية، هناك من يقول: ان المفاوضات وفي نهاية المطاف، سوف تتكلل بالنجاح، ويحل السلام والوئام في ربوع فلسطين وسيغدو بالامكان تحقيق التعايش والتعاون بين الشعبين المتخاصمين حاليا، وسيتم هذا بتأثير الضغوط العالمية، ولوجود مصالح قوية في ذلك، للعديد من الأطراف، ولكن آخرين يذهبون مذهباً آخر، ويسلكون مسلكاً مضاداً، ويزعمون ان السلام مستحيل بسبب العوامل النفسية والدينية عميقة الجذور، التي تحول دون تحقيقه، وان كل ما سيكون بالامكان الوصول إليه لن يعدو مجرد هدنة مؤقتة تدوم بعض سنوات أو عقود. وسواء صح هذا الرأي أو ذاك، فإن الأكثر أهمية شكل التسوية التي سيتم ابرامها فيما لو أبرمت، وهل ستكون في صالحنا أم في صالحهم. وفي الحقيقة فإن الأمر الذي سيحسم هذه المسألة هو موازين القوى بين الطرفين، وبتعبير آخر، فإن قدرة كل طرف على الضغط على الطرف الآخر، ومدى ما يملك من أوراق وإمكانات ومساحات للتحرك، هما اللذان سيسهمان في صياغة الصورة النهائية للتسوية. فماذا يستطيع ان يفعل الطرف الفلسطيني ضد الطرف الاسرائيلي حتى يجعله ينصاع لشروطه، ويستجيب لمطالبه؟ وماذا بوسع الطرف الثاني أن يفعل ضد الطرف الأول للغرض نفسه؟ وللجواب على ذلك نقول ان الفلسطينيين يمكنهم شن هجمات متفرقة على الجنود الاسرائيليين والمستوطنين، وضرب مستعمراتهم بقذائف الهاون وزرع الألغام وتفجير السيارات المفخخة في كل مكان، بالاضافة إلى إشاعة عدم الاستقرار في صفوفهم وإلحاق الأذى بسمعتهم، وتعطيل مشروعاتهم السياحية وغير ذلك. أما هؤلاء فإن بمقدورهم توجيه ضربات قوية لمناطق الحكم الذاتي وشن غارات جوية محكمة عليها، بل والدخول إلى هذه المناطق واغتيال المسئولين الفلسطينيين، وزرع الألغام في أبنيتها وتفجيرها عن بعد من الجو، وتضييق الخناق الاقتصادي عليها وتقطيع أوصال أراضيها.. وغير ذلك. أي ان كل طرف من الطرفين المتخاصمين يستطيع الحاق الأذى الفادح والضرر الجسيم بالطرف الآخر، فإذا استمرت هذه المعادلات بالمنوال نفسه، وبالوتيرة ذاتها،ما محصلاتها، ولمن ستميل كفة الرجحان في النهاية؟ وهل ستكون اتفاقية السلام المتوقعة مستقبلا لصالح هذا الفريق أم ذاك؟ اني شخصيا أعتقد انه إذا تواصلت التوازنات الحالية نفسها، دون ان يطرأ عليها أي تعديل، فإن الأمور ستسير في صالح الفلسطينيين، لأن صاحب الحق هو الأقدر على الصمود والتضحية وتحمل المشاق، في حين ان المعتدي سرعان ما يضيق ذرعاً بالقتال فتنهار معنوياته بسرعة، وتخور قواه النفسية، ويسارع إلى البحث عن مخرج. ومن جهة ثانية فإن الاحتياطي السكاني العربي يجعل الخسائر البشرية الفلسطينية أقل تأثيراً من خسائر الاسرائيليين الذين يعانون من ندرة ديموغرافية. ولكن المشكلة ان استمرار قدرة الفلسطينيين على الكفاح المسلح تتطلب مساعدات كبيرة جدا، مالية وعسكرية من أشقائهم، وعلى العرب ان يدركوا جيدا ان الانتفاضة هي وحدها الكفيلة باقناع العدو بالانسحاب إلى حدود ما قبل الخامس من يونيو والتخلي عن كامل القدس الشرقية، والقبول بمبدأ حق العودة، وفقا لقرارات الأمم المتحدة. ـ كاتب سوري