أياما عديدةً قضيتها بين الاحصاءات والأرقام في محاولة لفهم موقعنا نحن العرب بين دول العالم اليوم، فوجدت حقيقة ما أذهلني، وما يمكن ان يذهل أي مواطن عربي، لكن للأسف ، أصبح أغلب الناس لايهمه شيء في عالم الأرقام والاحصاءات إلا ما يتعلق برصيده في البنك أو ايرادات مشروعاته الخاصة فيما يتغافل الجميع عن الوضع الاقتصادي العام الذي يمكن ان يصل بالمواطن العربي في بعض الأقطار العربية إلى حد ارتهان ملابسه التي يرتديها دون ان يدري. فالتقرير الأخير لصندوق النقد العربي يقول: ان اجمالي المديونية العامة للدول العربية مع نهاية العام 1999 بلغ حوالي 375 مليار دولار، منها 156 مليار دولار ديوناً خارجية و219 مليار دولار ديوناً داخلية، أي ما يعادل 41 في المئة من اجمالي الناتج المحلي العربي لعام 99 والذي بلغ حوالي 628 مليار دولار. وهذه الأرقام لا تشمل الديون العراقية التي تجاوزت قيمتها 120 مليار دولار. أعباء الفوائد وتؤكد مصادر مصرفية عربية ان اجمالي الفوائد السنوية على هذا الدين الهائل تبلغ حوالي 60 مليار دولار سنويا على احتساب قيمة الفائدة بحوالي 11.6%، وهذا ما يجعل بعض الدول العربية عاجزة ليس عن تسديد الديون وإنما عن تسديد فوائدها. وتحتل مصر المرتبة الثانية في الدول العربية، إذ يبلغ دينها حوالي 72 مليار دولار، ثم الجزائر 48 مليار دولار ثم المغرب بـ 30 مليار دولار، ولبنان 23.5 مليار دولار وسوريا 22 مليار دولار، والسودان 20 ملياراً وقطر 7 مليارات و300 مليون والأردن مثلها أكثر من 7 مليارات واليمن حوالي 5 مليارات وليبيا حوالي 4 مليارات وتونس 11 ملياراً والصومال مليارين ونصف المليار. ورغم أن بعض الدول العربية تصل ديونها إلى ما يقرب من ناتج الدخل القومي وأحيانا بنسبة 100%، إلا ان ديون بعض الدول تخطت الناتج القومي مثل سوريا التي يزيد دينها على مقدار دخلها القومي بنسبة 130%، أما اللبنانيون فقد تفوقوا على الجميع حيث تزيد ديونهم عن دخلهم القومي بنسبة 150%. غياب التخطيط في مقابل الديون فإن الاحصاءات تشير إلى ان حجم الاستثمارات والمدخرات العربية في الدول الغربية يزيد على 800 مليار دولار في الوقت الذي لا يزيد فيه نصيب الدول العربية من الاستثمارات الدولية عن نسبة 3%. ومن الواضح ان هناك غيابا في التخطيط العربي لجذب الاستثمارات حتى المحلية، إذ يشير الاقتصاديون إلى ان المنطقة العربية بحاجة إلى استثمارات هائلة في مجال البنية التحتية تقدر بـ 50 مليار دولار في مجال المياه، و90 ملياراً في مجال الاتصالات والهاتف، هذا خلاف المجالات الأخرى. ورغم غنى الدول العربية في مناخها وتربتها ومواردها الطبيعية فإن العرب يستوردون كل شيء من الخارج لا سيما الغذاء، بل والغداء المترف، حتى ان احدى الدول العربية استوردت في العام الماضي بما قيمته 150 مليار دولار من الآيس كريم، فيما يحذر الخبراء من عجز غذائي عربي قبل العام 2005 سيصل إلى 15 مليار دولار سنويا. ويستورد العرب من الولايات المتحدة بما قيمته 400 مليار دولار، فيما لا يصدرون إليها إلا بما يوازي 100 مليار أغلبها من النفط، وحسب تصريحات نشرت مؤخراً للرئيس السابق للمفوضية الأوروبية جاك دولور فإن العرب يستوردون 41% من احتياجاتهم من أوروبا فيما لا يصدرون إليها 5.5 % فقط من احتياجاتها أغلبها أيضا من النفط. هذا في ظل تجارة بينية بين الدول العربية لا تتجاوز نسبتها 8.7% فقط من اجمالي الصادرات، وهي حسب تقدير «احصاء التجارة الدولية» للعام 2000 تعتبر أدنى نسبة تجارة بينية بين أي تكتل عالمي. إذن فنحن أمام واقع مرير حقاً، وأول ما ينبغي علينا ان نفعله هو ان نقوم بمحاولة لفهم واقعنا على حقيقته وأن تدرك الحكومات هذه الحقيقة المخيفة لتلك الأرقام المفزعة وتبحث عن حل واقعي، ومخرج ملائم، وإلا فإن الأجيال القادمة لن تجد ما تأكله وربما ما تلبسه أيضا.. انها أرقام.. ولكنها حقا مفزعة؟! ـ كاتب وإعلامي مصري