أغلب المحاضرين، وفي شتى المناحي ثقافية.. اقتصادية، سياسية، تنموية، فكرية، أدبية، وغيرها حينما يصلون مضطرين لقراءة مقارنة بين ما يتم هنا وما يتم هناك، بين ما يتحقق هنا ويتحقق هناك، يصلون إلى عبارة: «أما في البلاد العربية» أو «أما عندنا فإن الحال..». لدرجة انك صرت تعلم تماماً ما سوف يقال بعد هذه الجملة، وغالبا ما تصارعك ابتسامة منكسرة على الحال أو الواقع الذي ستأخذك إليه المقارنة. المخرج العربي هيثم حقي يحاضر هذه الأيام حول الاخراج التلفزيوني في مركز التدريب الاعلامي بـ «البيان» وينتظم في محاضراته مجموعة من المخرجين والإعلاميين ودارسي الإخراج في الكليات وينصتون باهتمام إلى مقارناته حول مدى ضخامة الانتاج السينمائي الغربي في مقابل الانتاج والتصنيع التلفزيوني العربي.. وكل المقارنات التي يتم الحديث عنها تدعو إلى مزيد من الكآبة. والمخرج هيثم حقي ليس الوحيد الذي ينبش هذه التفاصيل، أو حينما يقول انك كمخرج مطالب بتقديم المستوى الفني الذي يقابل المستوى الفني في الأعمال الغربية، وفي الوقت ذاته تفرض عليك شروط الانتاج العربي ان تتحرك في مستوى ضيق من الامكانات.. ليس وحده حقي يقول هذا اليوم، فهناك مئات من المخرجين العرب بعضهم لعن مجال عمله وركن نفسه في زاوية مظلمة بعد أن تبخرت أحلامه في الفضاء حال اصطدامها بالواقع. الدراما واحدة من مجاديف الثقافة المؤثرة في الآخر وواحدة من آلات التفسير وعامل قادر على قراءة التاريخ وإسقاطه وفن إبداعي قادر كذلك على ايصال رسائله وشيفراته إلى الآخر، لهذا مثلا نجد كيف ان الصهيونية تخترق هوليوود لتوظف عباقرتها وامكاناتها في خدمة قضاياها. ولذلك أيضا نجد ان الشخصية الغربية ـ إن لم نقل بوضوح الأمريكية ـ في الأفلام شخصية مرسلة إلى العالم برتوش، واضح منها الهدف والمقصد ولهم حقهم في ذلك، ففي النهاية هم يصدرون صورتهم للآخر بالأسلوب الذي يريدون. «أما في البلاد العربية» هذه الجملة الكاسرة دوماً، المحبط ما بعدها دوما، تبقى عالقة في الحلقوم تنز في الدم مئات الأسئلة حول كيف ترقى صناعاتنا ونتاجاتنا في السينما، في الثقافة، في الترجمة، في الفكر، في مئات أحلام من تكسرت أشرعتهم على صخور الواقع والامكانات الضئيلة وتحجر عقليات أصحاب القرار أمام كل ما يمكن ان يطور، وأن يذهب في مساراته الصحيحة. على مدى يومين كانت لي فرصة أن أجلس مع هذا المخرج الذي تخرج من موسكو متخصصاً في الاخراج السينمائي وليجد نفسه بعد ذلك بلا سينما، لكنه بكفاح طويل حوّل أحلامه السينمائية إلى التلفزيون، وكيّف نفسه ليصل بعدها إلى المشاهد العربي من خلال جملة أعمال متميزة. وحقي واحد كما قلنا من مئات المخرجين الذين يشعرون أنهم لا يقلون خبرة وعلماً للوصول إلى سينما أو دراما قادرة على التأثير وإيصال الرسالة الحقيقية لو توفر الشرط الصحيح لذلك. دائما يضيع الشرط الصحيح للانتاج في البلاد العربية، ليس فنا ولا فكرا ولا علماً فقط بل حتى انتاج نوع من علف المواشي يتمكن من ان يكون سلعة عالمية منافسة. احدى المنتسبات طالبة مواطنة، تشق طريقها إلى عالم الاخراج التلفزيوني مدفوعة بالأحلام الجادة سألت سؤالا سبقها إليه مخرجون مواطنون من قبل، ولم يتحصلوا على إجابته حتى اليوم.. سؤال الطالبة: كيف اقنع التلفزيون بمشروع ما؟!