للأحلام في اللغة العربية أكثر من معنى لعل أشهرها وأكثرها تداولاً ما يراه النائم في منامه أو الرؤيا، وقد أطلقها العرب على الأماني الكاذبة فقالوا: «هذه أحلام نائم» أي صعبة التحقق او مستحيلة. ومن معانيها وإن كان أقل تداولاً «العقول» فيقال: «حلم الرجل» أي صفح وكان ذا حلم فهو حليم. ويقال «تأمرهم أحلامهم بكذا» اي عقولهم، ومنها جاء المثل العربي الشهير «أجسام البغال وأحلام العصافير». أما الطغيان فهو ملة واحدة يتساوى فيها الطغاة على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وأديانهم. كل هذه المعاني تداعت الى ذهني وأنا أتابع ما آل إليه حال أحد اولئك الطغاة بعد ان شغل مساحة واسعة من مسرح الأحداث خلال العقد الاخير من القرن العشرين وارتبط اسمه بما عرف بـ «التطهير العرقي» انه السفاح الصربي «سلوبودان ميلوسيفيتش» الذي تسارعت خطوات سقوطه وأفول نجمه حتى انتهى به الأمر معتقلاً في أحد سجون بلجراد بعد أن مهد مواطنوه لذلك باسقاطه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر من العام الماضي وصوتوا لصالح منافسه فاتيسلاف كوستينتشا. ولأن جنون العظمة هو الذي يسير هذا النوع من البشر ـ اذا جاز ان نعدهم بشرا ـ فقد رفض الطاغية الاعتراف بإرادة التغيير لدى شعبه وتشبث بالحكم رافضاً التسليم والاذعان لقرار الشعب الذي أزاحه عن سدة الحكم وفرض من انتخبه بالزحف الجماهيري الذي تابعه العالم على الهواء مباشرة في عصر النقل التلفزيوني الحي الذي بدأته محطات التلفزيون بحرب الخليج الثانية وفرضته على الاحداث غير مكتفية بنقلها اذ غدت تحركها وتتدخل كثيراً في توجيه مساراتها. كيف بدأت أحلام «ميلوسيفيتش».. وكيف انتهت؟ سؤال مهم لا يمكن الإجابة عنه في سطور قليلة، اذ ستأخذ المهمة وقتاً غير قصير وجهداً غير قليل من ذوي الاختصاص والمحللين والمؤرخين ومتتبعي الاحداث ودارسي التحولات الكبرى في حياة الشعوب، فتاريخ يوغسلافيا الحديث الذي بدأ عام 1918 في نهاية الحرب العالمية الاولى باعلان مملكة الصربيين والكرواتيين والسلوفينيين تحت راية الملك بطرس الأول ملك صربيا شهد احداثاً عدة ومراحل مختلفة انتهت باستلام الماريشال الكرواتي «جوزيف بروس تيتو» مقاليد الأمور بعد ان خلع الملك الشاب بطرس الثاني ونصب نفسه رئيساً للوزراء عام 1945 اثر هزيمته لألمانيا النازية التي غزت يوغسلافيا، وقضائه على منافسه وشريكه في التصدي للألمان الجنرال ميخائيلوفيتش. كانت أحلام «صربيا الكبرى» هي المسيطرة على عقل ووجدان السفاح الصربي ميلوسيفيتش حتى غدت بالنسبة له مشروعاً قومياً لم يوفر وسيلة من الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيقه، غير ان الرياح جرت على خلاف ما يشتهي في ظل حساباته الخاطئة التي شكل انفصال كل من سلوفينيا وكرواتيا عام 1989 اول ضربة لها، فانفجر حمام الدم ـ الذي تواصل بعد ذلك ـ بين الصرب والكروات لتشتعل ارض البلقان بحرب «التطهير العرقي» التي لم توفر شبراً من الدولة اليوغسلافية التي كانت ذات يوم متحدة حتى وصلت الى إقليم كوسوفو لتكون هزيمة الطاغية ميلوسيفيتش على يد جنود حلف الأطلسي هي المسمار الأخير الذي يدق في نعشه معلناً نهاية سفاح داعب بمشروعه القومي أحلام الشعب الصربي الذي مازال يتوق الى رؤية حلم «صربيا الكبرى» يتحقق على أرض الواقع. ولأن أحلام الطغاة غالباً ما تجعلهم يتنكبون الطريق الصحيح فقد لعب غرور ميلوسيفيتش دوراً كبيراً في دفعه الى تضييع فرص كبرى تهيأت له كان يمكن لها ان تجنبه النهاية التي آل اليها اذ لم يستطع جزار البلقان السابق توظيف حب انصاره الجارف له وحماسهم الذي دفعهم الى تشكيل دروع بشرية لحماية قصره أثناء قصف طيران الأطلسي لبلجراد في يونيو 1999 توظيفاً جيداً، فقد دفعه غروره وعناده الى تصور نصر مزعوم ـ كما يفعل كل الطغاة عادة ـ بينما كانت اركان دولته تتهاوى وقطاعات جيشه تتفتت، ويتحول ذلك الجيش الذي كان ذات يوم واحداً من أفضل جيوش القارة الأوروبية الى مجموعة من العصابات التي تمارس كل أصناف القتل والخطف والاغتصاب تحت مظلة التطهير العرقي الذي لا يحكمه سوى قانون واحد هو قانون التعصب للقومية التي لا تعترف بغيرها من القوميات، هذا القانون الذي لا يؤدي إلا الى الفوضى والدمار والتفكك، وهو ما آل إليه أمر يوغسلافيا في النهاية ليجد بطل تلك المرحلة نفسه يقتاد الى المعتقل مخفوراً في مشهد لم يصدقه اكثر اعدائه تفاؤلاً، ولم يتوقع احد رؤيته بهذه السرعة نظراً لما كان يمثله ميلوسيفيتش للشارع الصربي في أوج دغدغة مشاعر ذلك الشارع ومغازلة حلمه الأكبر. وإذا ما كان الطاغية الذي يقبع اليوم في السجن ذليلاً قد استطاع على مدى عقد من الزمان ان يحيي تلك النزعة العرقية في نفوس ابناء شعبه وان يرسم تلك الصورة الملتهبة في مخيلتهم فإن الدمار الذي لحق بالبلاد والمعاناة التي خلفتها تلك الحروب والمواجهات جعلت هذا الشعب يعيد حساباته في كل هاتيك الأحلام بعد أن غدا التمسك بها عائقاً أمام فتح خزائن الجيران القريبين ومنظومة النظام العالمي الجديد التي استخدمت العصا الى المدى الذي حطمت به صلف وغرور الحالم الأكبر سلوبودان ميلوسيفيتش، وها هي تستخدم الآن الجزرة لتوقظ بقية الحالمين الصرب من سباتهم وتنتشلهم من أحلامهم التي تجاوزها الزمن ولم تعد الظروف مهيأة لتحقيقها، فهل يؤجل الصرب تلك الأحلام بعد أن ظنوا أنهم قاب قوسين أو أدنى من تحقيقها على يد الزعيم الذي اختاروه لهذه المهمة فخذلهم؟ يبدو انه لا خيار لهم سوى ذلك بعد ما آلت اليه حال بلادهم وما انتهى إليه زعيمهم المهزوم. يبقى سؤال آخر تأجل طرحه حول إمكانية محاكمة الجزار السابق أمام محكمة العدل الدولية ومدى استعداد حكومة بلجراد للاقدام على خطوة كهذه، ربما كانت الاجابة صعبة في هذه المرحلة في ظل انكسار المشروع القومي الذي كان يشكل ميلوسيفيتش رمزاً له اذا ما وضعنا في الحسبان ان سقوط الرمز لا يعني بالضرورة سقوط المشروع او انهيار الحلم تماماً، غير ان قراءة المقدمات غالباً ما تؤدي الى نوع من استشراف النتائج، وهو ما تؤكده شواهد من التاريخ القديم والحديث في استحضارها الدليل على ان ما قامت به سلطات بلجراد من اجراءات بحق الرئيس السابق ليس سوى حلقة في السلسلة التي تحكم لفها حول رقبة السفاح الذي تتحطم صورته يوماً بعد يوم حتى لا يبقى للرمز اثر منتقلة به من محاكمة داخلية قائمة على الاتهام بالفساد واستغلال السلطة للوصول الى تنفيذ ما يطالب به اعضاء منظومة النظام العالمي الجديد والقديم الذي تأتي مطالبهم هذه المرة متسقة مع مطالب كل من طالهم بطش ميلوسيفيتش وطغيانه وهي رؤيته داخل قفص الاتهام في لاهاي مساءلاً عن كل ما ارتكبه من فظائع وجرائم ليس في حق شعوب البلقان فقط وإنما في حق الانسانية التي لا تنقصها «أحلام» الطغاة المرضى بجنون العظمة وسعار التعصب للقوميات، وإنما تحتاج «أحلام» القادة الذين يزنون الأمور بميزان الحق ويسوسون شعوبهم بالعدل، ولا يسعون الا لما يحقق للبشرية الأمن والسلام والرفاهية اولئك هم الذين تزين اسماؤهم وسيرهم صفحات التاريخ وتعطر اجواءه وتمنحهم الشعوب قلائد النبل وأوسمة الحب والاحترام، اما الطغاة والجزارون من أمثال ميلوسيفيتش ومن سلك دربه فليس لهم مكان سوى مزبلة التاريخ، وذلك ايضاً كثير عليهم فالمزبلة أطهر منهم إذا ما نظرنا الى ما اقترفته أيديهم وما عانته البشرية من ويلات لفظاعة «أحلامهم» المدمرة الكبيرة وضآلة «أحلامهم» غير المدبرة الصغيرة. سوف يذهب ميلوسيفيتش واقرانه من الطغاة الى الصفحات السوداء من التاريخ غير مأسوف عليهم، ولكن ما ذنب اولئك الذين أبيدوا على يديه وأيدي أمثاله أو اكتووا بنار حقدهم وطغيانهم وموت ضمائرهم؟ ذلك هو السؤال الحائر الذي سيبقى دون إجابة، وربما أعيد طرحه إذا ما أعاد التاريخ نفسه ونسي العالم أن يأخذ العبرة من طغاة الأمس واليوم فلم يضع لظلم الطغاة الجدد حداً. من الذي بيده ان يفعل هذا؟ ذلك سؤال جديد يبحث هو الآخر عن جواب.. فمن يملك أجوبة كل هذه الأسئلة؟ من يملك كف أيدي الطغاة وقطعها إذا لزم الأمر إذا هي ألغت «أحلامها» وتمادت في تحقيق «أحلامها»؟