يبدو أن الحوار مع أي متعصب، في أي موضوع، هو مضيعة للوقت ونوع من عبث، لأن التعصب يغشي البصيرة بما يعشيها، ويغلق على الشخص المنافذ حتى لا يرى إلا نفسه وسلامة منطقه ووحدانية رؤيته، وأن العالم لا يتمركز حوله فقط وإنما خلق من أجله ولخدمته. وحين ينبع ذلك التعصب من طبيعة عنصرية تستشعر التفوق وتدعيه وتعلنه بوصفه «اختياراً منسوباً للرب»، أو حين يضاف التعصب إلى تلك الطبيعة ـ وهو من لوازمها في الأغلب الأعم ـ وتكرسه عقيدة وثقافة، تصبح العنصرية سمة جوهرية وحالة عدوانية، وحقيقة يومية، يلغي استمرارها على هذه الحالة شذوذها، كما يلغي كل منطق سليم يحاول التماس مداخل للتعامل معها. حيث تتكون عقدة أفاع في داخل نفس كل فرد يستشعر هذه الحالة، وفي نفس الجماعة التي ينتمي إليها، ولا يتوقف تأثير عقدة الأفاعي تلك على محيطها والمنصبة شرورهم عليها، بل قد يفتك بذاتها حين لا تجد من تلتف عليه لتخنقه وتنفث سمها في كيانه. وتلك هي حالنا اليوم ـ نحن العرب ـ مع الحركة الصهيونية التي نهلت من التشوه التلمودي ـ وأساطير مشوهي التوراة، وخرافات سياسية ـ استعمارية، ووعود تنسب إلى «الرب»، فجاءت إلى الوجود بنوع من المخلوقات والأفكار والمشاريع، لا تحقق حضوراً أو بقاء إلا بانتهاج النهج الملازم للعنصرية والتعصب والنابع منهما، ألا وهو الدموية العدوانية، والافتراء والتشويه المستمرين، وانتفاخ الضفادع في المستنقعات الآسنة. «روح عدوانية» وحين تصبح العنصرية الدموية أخاً شقيقاً للنزعة الاستعمارية ـ الاستغلالية، ولروح عدوانية مقيتة تتخفى تحت أقنعة «حضارية» و«إنسانية» منها: الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان... إلخ، لتفترس مجتمعات ودولاً تفتك بهويات شعوب وعقائدها وثقافاتها.. لكي يسود منطقها، وتحافظ على مصالحها، وتحقق خططها في تصفية حسابات تاريخية مع الآخرين وتفرض هيمنتها عليهم.. حينذاك يدخل الذين يقع عليهم عبء دفع ضريبة الدم في دوامة الفزع الأكبر.. إذ تتألب عليهم قوى، أو تؤلّب عليهم، ويفرض عليهم أن يواجهوا الحقد الوحشي عراة إلا من إيمانهم بالقيم الخلقية والإنسانية، وبأن الحق الذي يملكون يستحق التضحية من أجله ولابد سينتصر. وهذه حالنا اليوم مع عقدة الأفاعي الصهيونية التي نهلت العنصرية والتلمودية، وأفرغت سمها في أرض العرب، وارتكبت مذابح وفظائع بما يحقق تفوقها المطلق على النازية حتى استحقت بجدارة وصف الرئيس بشار الأسد لها بأنها «أسوأ من النازية» وجاء وصفه ذلك تعبيراً عن وجدان شعبي مقهور. والصهيونية بتحالفها مع الغرب الاستعماري، ذي النزوع الصليبي العدواني الذي لا يرى جرائمه جرائم حين ترتكب بحق نوع خاص من البشر، وبامتلاكها لأسلحة: مادية ومعنوية، مباحة دولياً ومحرمة دولياً، وباستخدامها لأساطير تبتز بها الآخرين وتهددهم وترهبهم، منها: ـ الهولوكوست المضخم بإعلام مركز مدروس، الذي أصبح: «حيلة من أجل نزع الشرعية عن كل نقد لليهود» و«سلاحاً أيديولوجياً لا غنى عنه» حسب تعبير اليهودي الأمريكي د. نورمان فنكلستين. ـ والعداء للسامية المبرمج للإطلاق مثل صواريخ كروز، وهي تهمة تشهر بوجه كل من يريد أن يدافع عن نفسه ووجوده وحقوقه ضد الكيان الصهيوني. ـ والإرهاب المنظم ضد الفكر والعقل العلمي والذاكرة التاريخية للشعوب.. تحت ذرائع منها المس بتاريخ ينبغي ألا يمسه التاريخ، حيث ضخمت «حقيقة» الهولوكوست إلى درجة لم تعد معها قادرة على الصمود عند من يبحث عن الحقيقة بموضوعية ومنهج علمي سليم. والصهيونية بذلك الذي تملكه، وتستند إليه، وتتحالف معه، وتدعيه، تشن عدواناً دموياً مستمراً مسكوتاً عنه بعناية أو مغطى سياسياً بعناية، تستطيع بواسطته أن تحتل الأرض العربية، وتهوّد المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتقيم المستعمرات وتتوسع في إقامتها، وتضع البرامج لاستقدام كل يهود العالم إلى فلسطين ـ حيث يصبحون جميعاً هناك بحلول عام 2020، كما يقول الإرهابي الدموي شارون ـ وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتقتلع الشعب والشجر والحجر من أرض فلسطين، لتقيم قلعة العنصرية ـ النازية فيها، تلك القلعة التي تهدد مستقبل العروبة والإسلام في هذه المنطقة من العالم. مواجهة الادعاءات وحين يرتفع صوت عربي بوجه هذا الوحش النازي الجديد تقوم قيامة العالم ولا يقعد، وتبدأ حملات التشكيك والتشهير والإرهاب والحصار من غرب العالم الاستعماري إلى شرقه ضد من يرفع ذلك الصوت.. حتى ليرتجف عرب هم في قوائم المحكوم عليهم بالموت، فيركضون ليباركوا قاتلهم وهو يلغ في دم أخيهم قبل أن يتحول بساطوره إليهم!؟.. ويصبحون وسطاء.. وعقلاء.. وحكماء يقبّلون الأيدي «المباركة» الملطخة بدمهم ليباركهم «رب الجنود» بيد حاخام من يهود قبل الذبح المريح!؟! وحين ننظر إلى انفراد الوحش الصهيوني بكل قطر من أقطار العرب المحيطة بفلسطين بعد أن انفرد بها خلال العقود الماضية، ونتأمل في امتصاصه دم الأبرياء في عيد مستمر يؤكل فيه فطير صهيون بالدم العربي.. ونرى إلى حالة الفرجة التي تعيشها الأقطار الأخرى بانتظار حلول دورها. نسأل أنفسنا: هل نحن أحياء.. ونعي فعلاً ما يدور حولنا.. وهل نحن عرب ومسلمون.. عرب ومسيحيون شرقيون، في ديار آبائنا وأجدادنا والأنبياء الذين كانت أرضنا لهم ولدعواتهم مهداً؟! وهل نقبل.. ونسكت، ونستمر في القبول والسكوت، بانتظار انتصار الحقد الصهيوني ـ النازي على كل شيء فينا، واشتفائه من كل بشر وشجر وحجر وعمران وثقافة وحضارة في بلداننا؟! يبدو أننا نقول: لا، وننفذ نعم. فنحن لا نعني ما نقول، ونقول ما لا نعني في كثير من الحالات. وإذا قال أحد منا الحق بفورة وعي وحماسة وصدق.. تركناه فريسة للوحش الصهيوني ـ النازي وتشفينا به من بعيد.. حتى لا يرينا شجاعة، أو لا «يتعنتر علينا» أمام من اتخذونا «عناتر» بوجه شعبنا وحملاناً في بساتين أعدائنا!! تشن هذه الأيام حملة على سوريا، وضمناً على رئيسها، لأنه قال في مؤتمر قمة القاهرة الاستثنائية وفي قمة عمّان العربيتين، ما لا يطيق العدو الصهيوني وحليفه الأمريكي أن يسمعاه، وما لا يريد البعض أن يقال، مما يوضح حقيقة المواجهة مع الصهيونية ودروب تلك المواجهة للمشروع الصهيوني وقوة الاحتلال، ومما يوصّف حقيقة الصهيونية ويقدمها عارية إذ هي: كما قال بحق: «عنصرية أسوأ من النازية». ولما كان هذا الصوت قد ارتفع في تجمع رسمي مسئول، ويصل إلى الرأي العام الذي يُراد له أن يخاف من مجرد سماع مثل هذه الأقوال، التي تكشف حقائق التاريخ وتنبه إليها وتدعو إلى التعامل معها بمسئولية وعقل علمي مفتوح ومنهج سليم ووجدان حي، حتى لا يستمر دفن الحقائق وتشويه التاريخ وولوغ الوحش الصهيوني بدم الأبرياء استناداً إلى ادعاء بالتميز واستغلالاً «للعذاب» السابق. لقد قامت آنذاك قيامة الإعلام الصهيوني ـ الغربي، وحمل حملة قوية على سوريا، مستخدماً الهجوم المباشر على قول مباشر، ومستخدماً استنهاض الفتنة وعواملها وعمالها وسدنتها من داخل البيت ليحوله إلى ركام ان استطاع. ولكن ذلك السلاح لم ينجز المهمة التي تم التفكير بتنفيذها. لحظة الحقيقة وحين زار الرئيس الأسد اسبانيا في مطلع مايو 2001 وجد من يطرح السؤال عليه مباشرة ليمتحن نتائج الهجوم الإعلامي والسياسي على سوريا وعليه بشكل غير مباشر، وليعرف من هم وراء الحملات والأسئلة الخبيثة: هل أدى ذلك الهجوم أغراضه!؟ فإذا قدم الرئيس مسوغات واستظل بذرائع فيها شيء من التملص مما قال، أو التفسير التراجعي عن جوهر ما قال، اكتشفوا نتائج فعلهم ورسموا خططهم للتحرك اللاحق. ولكن حين جاء رده واضحاً متيناً مقنعاً ومؤكداً حقيقة: أن الصهيونية أسواء من النازية، بممارساتها ضد الشعب الفلسطيني، وبما تدعيه من تفوق يستند إلى «اختيار إلهي»؟! وفوقية متعالية على الآخرين.. وأنها بذلك تستحق أن توصف بأنها: عنصرية بجدارة ونازية بتفوق، أخذت أحصنة الحقد الصهيوني والغربي تلوك لجمها وتتحين فرص إطلاق صفارة الهجوم. وجاءت لحظة أخرى، مناسبة أكثر من اللحظات كلها، لإيصال الصوت ووضع الرأي العام العالمي أمام سؤال عن حقيقة النازية ـ العنصرية أو العنصرية النازية في الكيان الصهيوني.. ولم يترك الرئيس الأسد هذه الفرصة تفوت: فأمام البابا.. وفي دمشق.. وفي لحظة حاسمة أكد أن الصهيونية تقوم بممارسات وحشية ـ نازية ضد الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للعدوان المستمر، ويقتل أطفاله ونساؤه وشيوخه، وتدمر بيوته وتقتلع أشجاره، وتفرض عليه أنواع من الحصار المتصل الذي يستهدف صموده ووجوده وذاته، وأن هذا الشعب الذي يتعذب على يد من عذبوا المسيح، من حقه أن يُنصف ويحمى وتتوقف معاناته عند حد. وعندما أصبح هذا القول، الذي يؤكد للمرة الثالثة وفي محافل رسمية، عربية ودولية: مؤتمر قمة عربية في عمّان، ولقاء مع رئيس وزراء اسبانيا خوسيه ماريا أزنار، ولقاء مع قداسة بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني في دمشق.. عندها بدأ إطلاق الهجوم الإعلامي ـ السياسي الرسمي من واشنطن وباريس، بدفع صهيوني واضح، للنيل من موقف سورياً ورئيسها، ولإفساد نتائج زيارة ناجحة قدمت فيها سوريا نفسها على حقيقتها للعالم في أثناء زيارة الحبر الأعظم لها. إن هذه اللحظة التي تقول فيه الأمة العربية باسم قائد من قادتها: «إن الصهيونية أسوأ من النازية»، هي لحظة الحقيقة.. ولحظة الوعي التاريخي والصحوة القومية، وهي لحظة الاختيار والاختبار. ونحن نشعر أن الرئيس الأسد قال ما قال بلسان الشعب العربي الذي يعاني بعمق، وباسم كثير من المثقفين العرب الذين يتعلق وجدانهم بالحقيقة، وتدمى قلوبهم من ممارسات الوحش الصهيوني ضد أبناء فلسطين ومقدسات المسلمين والمسيحيين في القدس، وضد أبناء الأمة العربية في الأقطار المحيطة بفلسطين على الخصوص، لا سيما تلك التي وقعت فيها مذابح مثل: «صبرا وشاتيلا» التي تجلل شارون بالدم البريء والعار المقيم، و«قانا» التي تلطخ الإرهابي بيريز بدم احتمى بالأمم المتحدة فكانت له الفخ أو المصيدة، حتى أريق هناك وانتهكت حرمته، وقد كانت الأمم المتحدة في المركز، فخاً لقضية فلسطين وشعب فلسطين ولموقع العرب وحقهم، منذ نشأتها حتى اليوم. لقد قال الرئيس الأسد ما قال من حقائق، ولفت نظر الرأي العام إلى أننا نحن أبناء ابراهيم الاجدر به، وأننا الساميون الذين يقع عليهم اضطهاد من يشكون من الاضطهاد و«العداء للسامية»، وهم يفترون على الواقع والتاريخ والحقيقة والبشر، ويستثمرون هذا الافتراء. استنهاض الوعي وقد استرعى الانتباه إلى ضرورة مواجهة من يريدون الحجر على العقل والعلم ووقائع التاريخ، ويتجاوزون الحقائق، ليبقى الوحش الصهيوني ـ النازي منطلقاً ومستخدماً لأساطيره وشاهراً سواطيره على العلماء والمؤرخين الانقياء، وعلى الابرياء المسالمين، وعلى العرب والمسلمين، وعلى فلسطين والقدس والشعب الفلسطيني البطل. ان هذا يعبر عن وجدان شعبي وثقافي ليس في الوطن العربي فقط وانما في العالم.. وهاهي موجة الحقد الصهيوني ـ الاستعماري الغربي قد انطلقت نحو سوريا ورئيسها، و ضد من يقول رأياً سليماً صحيحاً موضوعياً عن الصهيونية وجرائمها المستمرة. فهل تلقى موجة الحقد الصهيوني ـ الأمريكي هذه رداً، وهل يلقى هذا الموقف منها نصراً شعبياً عاماً، وهل يؤدي إلى استنهاض وعي وارادة في بلاد العرب والمسلمين وفي بلدان تمتلك الرؤية السليمة والشجاعة والارادة الحرة؟! أم اننا سنعيش حقبة اخرى من التردد والتردي، ونبتلع الوهم والخوف ونتائج الإرهاب حتى تأتي اللحظة التي يتناولنا فيها حامل الساطور الصهيوني حاخاما كان على نمط كاهانا، أو وحشاً إرهابياً على شاكلة باروخ جولد شتاين أو بيجن أو شامير أو نتنياهو أو بيريز أو شارون؟! اننا ننتظر رد الفعل العربي الملائم. أما الفعل الهجومي الغربي فقد بدأته الصهيونية من واشنطن وباريس ثم من برلين، حيث أعلنت احتجاجات ووجهت اتهامات ضد سوريا بأنها «تعادي اليهود» مستغلة زيارة البابا!؟.. وصرح الناطق باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر» بأنها احسنت فهم ما قاله الرئيس السوري.. وهي اقوال «مرفوضة ومؤسفة» على حد قوله. وهذا أول موج الافتراء الحاقد ضد سوريا ورئيسها في هذه المرحلة، ومطر السخط الصهيوني هذا الذي يقع على صخورنا الصلدة.. لا أظن انه سيخرقها.. ولكنه ليس من دون تأثير من جهة، ولا هو من دون فائدة من جهة أخرى، إذا ما أحسن العرب القراءة بعد كل هذا الدم والظلم الذي نتعرض له في عقود مؤلمة ومضنية من المعاناة والانحياز الأمريكي والغربي للعدو الصهيوني. ـ رئيس اتحاد الكتّاب والأدباء العرب