«لا يمكن للأمريكيين أن يستهتروا بآراء الدول الأخرى ثم يتوقعوا بألا يتأثروا بالنتائج». صاحب القول أكاديمي سياسي غربي. وديفيد مالون رئيس الأكاديمية الدولية للسلام، ومقرها نيويورك، هو أيضاً دبلوماسي كندي سابق. وبهاتين الصفتين، خاصة الصفة الثانية، لا يعقل أن نتهم مالون بتحيز غير موضوعي أو تحامل ضد الولايات المتحدة. لقد كان مالون يعلق على خسران الولايات المتحدة عضويتها في اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. وبذلك انضم إلى عدد من المحللين الغربيين الذين انتهزوا هذه المناسبة لشن حملة نقدية ضد الدبلوماسية الأمريكية. إن الدبلوماسية، كما هو معلوم، هي الوسيلة السلمية الرئيسية التي تستخدمها دولة لنصرة مصالحها الحيوية الوطنية. لكن الولايات المتحدة أخذتها العزة بالإثم في تحريك آلتها الدبلوماسية بمنهج يعكس عدم اكتراث بمصالح الآخرين. ولو كان «الآخرون» هؤلاء هم دول العالم الثالث الضعيفة وحدها لكان عدم الاكتراث الأمريكي مفهوماً رغم أنه ليس مبرراً. لكن المسلك الأمريكي في الساحة الدولية تجاوز كل الخطوط الحمراء بحيث أنه بات يلحق أضراراً بمصالح دول تصنفها واشنطن كحلفاء داخل الأسرة الغربية. لقد قال الدبلوماسي الكندي مالون في معرض نقده للدبلوماسية الأمريكية ان استخدام الولايات المتحدة حق «الفيتو» في مارس لعرقلة قرار لإرسال قوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني أثار غضب عدد كبير من الدول. ثم أشار مالون إلى انسحاب الولايات المتحدة من «بروتوكول كيوتو» حول خفض انبعاثات الغاز «مما أثار غضب عدد كبير من الحكومات الأوروبية». ومعنى هذا الانسحاب هو أن أمريكا تستثني نفسها من اتفاقية تلتزم بها الدول الصناعية بخفض الانبعاثات حتى لا تتفاقم ظاهرة «الاحتباس الحراري» علماً بأن الولايات المتحدة صاحبة النصيب الأعظم من هذه الانبعاثات. ومن المثير في هذا السياق أن وزارة الخارجية الأمريكية بعثت قبل نحو شهر بتقرير إلى الكونجرس يشير إلى «خلافات متزايدة» بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. ومن بين شكاوى الاتحاد الأوروبي رفض واشنطن المصادقة على الاتفاقية العالمية لحقوق الطفل ومعاهدة إقامة المحكمة الجنائية الدولية لمجرمي الحرب والمعاهدة الدولية لحظر استخدام الألغام ضد الأفراد ومعاهدة إجراء التجارب النووية. وهناك أيضاً الخلاف حول الصراع العربي الإسرائيلي ووسائل الاقتراب منه. فالانحياز الأمريكي الكامل غير المشروط لإسرائيل واضطرار دول الاتحاد الأوروبي لمجاراة واشنطن في هذا الاتجاه لاعتبارات التحالف الأطلسي يسبب لهذه الدول حرجاً متزايداً حيال العرب بما قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على المصالح الأوروبية في العالم العربي. هذه هي الخلفية التي كانت سائدة عندما اجتمع «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» التابع للأمم المتحدة الأسبوع الماضي لفرض انتخاب دول أعضاء في اللجنة الدولية لحقوق الإنسان. وكانت الولايات المتحدة من بين الدول المرشحة لشغل ثلاثة مقاعد للكتلة الغربية. وفشل الولايات المتحدة في نيل أي من هذه المقاعد الثلاثة هو أول برهان عملي على أن حلفاء أمريكا الأوروبيين ضاقوا ذرعاً بالحليف الأكبر وقرروا ترجمة تضجرهم إلى فعل. والسؤال الذي يطرح هو: هل أفادت واشنطن من هذا الدرس فتراجع بالتالي نهجها الدبلوماسي، خاصة تجاه مجموعة من الدول الكبرى تعتبر من الحلفاء المقربين؟ إن رد الفعل الأمريكي الرسمي على نتائج التصويت في «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» لا تبشر إطلاقاً بأن واشنطن استدركت نهجها الخاطيء. فقد شنت واشنطن هجوماً مكشوفاً على الأمم المتحدة وآخر مغلفاً على الحلفاء. ولذا فإن العالم موعود بمزيد من الصدامات بين الولايات المتحدة وأوروبا.