هذا الأسبوع يبدأ عهد جديد في العمل العربي المشترك بتولي وزير خارجية مصر عمرو موسى موقعه الجديد أمينا عاما للجامعة العربية خلفا للدكتور عصمت عبد المجيد الذي تحمل عبء هذا الموقع عشر سنوات كاملة في ظروف بالغة الدقة والتعقيد. والغريب أنه قبل مجيء عصمت عبد المجيد لموقعه في الجامعة العربية بشهور كانت الآمال العربية تنتعش، وكانت العراق قد أنهت حرب الخليج الأولى لمصلحتها، وكان العمل العربي المشترك يكتسب زخما جديدا مع قيام مجلس التعاون العربي من مصر والعراق والأردن واليمن، وكان الحديث عن الوحدة الاقتصادية العربية يعبر باب الامنيات إلى أرض الواقع، وكان انتظام عقد القمة العربية سنويا قيد البحث وعلى وشك الإقرار، وكان الوضع العربي يقترب من أجواء ما بعد أكتوبر 73 حين كانت الآمال بعمق الانتصار الذي تحقق وفجأة وقع الزلزال. ومع الغزو العراقي للكويت، ثم تدمير العراق وإبقائه رهينة.. حلت الكارثة وتبددت الأحلام، وصحونا على عالم عربي انقسم على نفسه، وعلى خليج تحت السيطرة الأمريكية، وعراق تحت الحصار والتجويع.. والأهم من ذلك كله ما اصاب المشاعر العربية من احباط، وما ضرب القومية العربية في القلب، حتى وجدنا مسئولين عربا (!!) يؤكدون أن العروبة كانت خرافة، وجماهير عربية ترفع العلم الأمريكي، وأعداء يخططون لمستقبل المنطقة على أساس أن العرب انتهوا كقومية أو مشروع نهضة، وأن الشرق الأوسط الجديد سيتم تقرير مصيره في غيبتهم وعلى حساب مصالحهم. في هذا المناخ البائس جاء عصمت عبد المجيد إلى الجامعة العربية، والبعض يستعدون لتشييع جنازتها، والبعض يتصرف معها على أنها قد ماتت اكلينيكيا ولم يتبق إلا استخراج شهادة الوفاة الرسمية لها. والكل يتعامل معها على أنها الرجل المريض الذي لا حول له ولا قوة، ولا مستقبل أيضا. وفي ظل المناخ العربي البائس جاء التحرك نحو مؤتمر مدريد.. فقد وجدت أمريكا نفسها مجبرة على تقديم شيء على طريق التسوية السياسية بين العرب وإسرائيل حتى تتخلص وتخلص الأنظمة العربية معها من حرج المقارنة بين كيفية تجنيد العالم كله ضد العراق وترك إسرائيل تفعل ما تشاء وتدوس على القرارات الدولية بالأقدام، وتواصل احتلالها للأرض العربية، وتنال رغم كل ذلك دعم أمريكا في كل المجالات. كانت أمريكا قد وعدت أثناء حرب الخليج الثانية، وفي محاولة لكسب الرأي العام العربي، أن تقدم حلا للنزاع العربي الإسرائيلي يعيد الحقوق ويضمن تحرير الأرض العربية مقابل ضمان أمن إسرائيل في وجه الخطر العربي المزعوم. ولكن ما أن انتهت الحرب حتى وضحت النوايا الأمريكية. وفي اجتماع لمسئول أمريكي كبير مع وزراء خارجية عرب جاءوا يطلبون تنفيذ الوعود الأمريكية وإجبار إسرائيل على الرضوخ للشرعية الدولية، كانت إجابة المسئول الأمريكي: إن أمريكا ستبذل جهدها، ولكن لا تنسوا أن العرب قد خرجوا من هذه الحرب مهزومين!! ووصلت الرسالة. وفهم الوزراء العرب أن امريكا لا تعتبر أن العراق هو الذي خرج مهزوما. بل العرب كلهم! فالحرب دمرت العراق والكويت معا، وأضاعت الأموال العربية، ورهنت المستقبل العربي، ووضعت المنطقة في قبضة واشنطن، وتركت القرار لها، والقرار هنا لا يعترف بعبارات المجاملة، وأحاديث الصداقة، بل لابد أن يعبر عن مصالح أمريكية أصبحت وحدها الحاكمة، ولابد أن يعكس توازن قوى جديد يميل لمصلحة إسرائيل بأكثر مما كان، وتقرر فيه أمريكا أن العرب (وليس العراق وحده ) قد انهزموا.. وعليهم أن يدفعوا ثمن الهزيمة. وكان مؤتمر مدريد الذي كان الهدف منه وضع الخريطة الأمريكية للمنطقة موضع التنفيذ، وإعلان الوفاة الرسمية للعروبة وتدشين الشرق أوسطية مشروعا للمستقبل تقوم فيه أمريكا بدور الراعي المهيمن على ثروات المنطقة وأرضها ومستقبلها، وتتولى فيه إسرائيل دور الوكيل الرسمي للراعي الأمريكي، وتتوزع فيه المهام فيكون على العرب إمداد العالم بالبترول الرخيص، ثم وضع ثرواتهم في خدمة التقدم الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية بينما تتولى إسرائيل إدارة المشروع الجديد الذي قدمه شيمون بيريز وباركته أمريكا وأوروبا، والذي يعتمد كما قال على العقل الإسرائيلي والمال العربي والسوق العربية الواسعة والأيدي العاملة العربية الرخيصة. شعرة معاوية وفي هذا الجو الكئيب كان مجرد الحفاظ على وجود الجامعة العربية عملا إيجابيا، وكان التشبث بالمصالح العربية المشتركة المتعارضة مع مصالح العدو عملا صعبا، وكان الإبقاء على الحد الأدنى من الإتصالات العربية العربية تحت سقف الجامعة أو خارجه أمرا هاما ومطلوبا ، وكان احتواء مشاعر الغضب والإحباط والإنقسام التي سادت بين أطراف حرب الخليج يبدو أشبه بالمعجزة، وكان إبقاء شعرة معاوية بين العواصم العربية ضرورة حياة حتى يمكن مواجهة الأخطار القادمة. وقد حاولت الجامعة العربية في هذه الظروف الصعبة أن تفعل شيئا، ونجحت دبلوماسية عصمت عبد المجيد الهادئة وشخصيته غير المتصادمة في عبور هذه المرحلة الكئيبة، وفي زرع فكرة التشبث بإبقاء الجامعة العربية على قيد الحياة في وجه دعوات تصاعدت بإغلاق ملفها. بعضها كان يريد الإنكفاء للداخل بعيدا عن محيطه العربي، وبعضها كان يدعو للغرق في أوهام الشرق أوسطية، وبعضها كان لا يعرف أين تكون الخطوة القادمة بعد الاجهاز على الجامعة العربية. وتزداد الأمور سوءا بعد ذلك بتسلل القيادة الفلسطينية إلى أوسلو وإبرامها أسوأ اتفاق ممكن مع العدو الإسرائيلي.. ووسط الحديث عن سلام مزعوم وحل نهائي للقضية الفلسطينية بدأ سباق الهرولة بين العديد من العواصم العربية نحو تل أبيب، وتهاوي الحصار العربي والدولي الذي كانت تواجهه إسرائيل، وبدت عناصر المقاومة في الأمة العربية في وضع لا تحسد عليه بين حكومات تهرول، وإعلام ينشر الوعود الوردية عن مستقبل المنطقة في ظل التعاون الإسرائيلي (أو القيادة الإسرائيلية كما أعلن شيمون بيريز ) وضغوط أمريكية تستعجل التسليم العربي بكل ما تريده إسرائيل وما تهدف إليه أمريكا وإلا فقائمة الإرهاب تنتظر أسماء من يعارض أو حتى يتمهل في إعلان التأييد، والعقوبات الأمريكية جاهزة، والحصار سيتم والطائرات الأمريكية ستضرب وتردع. الحد الأدنى وفي ظل هذه الظروف لم يكن ممكنا أن ينطلق العمل العربي المشترك، وكانت الجامعة العربية تعكس إرادات الدول العربية التي كانت تمر بمرحلة بائسة من العجز والإنقسام. ولم يكن هناك بد من أن تتركز الجهود على عبور الأزمة في العمل العربي المشترك بأقل الخسائر، وإبقاء الهدف حتى وإن طالت المسيرة وتفرقت الطرق، وإبقاء الجامعة بيتا للعرب حتى وإن كانوا لا يجتمعون فيه إلا ليستعرضوا المشاكل ويتبادلوا الأحاديث. وقد أثمرت هذه السياسة حينما تبدلت الأمور، وأفاق العرب من الصدمة، وكشفت إسرائيل عن وجهها الحقيقي القبيح، وتمادت أمريكا في انحيازها لإسرائيل وضغطها على العرب. كان مشروع الشرق أوسطية قد ذهب ولو إلى حين مع مجيء الليكود لحكم إسرائيل، ومع تعثر ما أسموه بعملية السلام.. وكان العرب قد أفاقوا من صدمة حرب الخليج وما أعقبها، واكتشف الجميع عمق الأزمة التي يعيشونها بين ابتزاز أمريكي لأموال الخليج، وتجويع لشعب العراق، وحصار لدول عربية أخرى، وضغوط هائلة لكي يستسلم الجميع لما تريده أمريكا وإسرائيل بلا قيد أو شرط. وكان الحد الأدنى من العمل المشترك الذي أبقته الجامعة العربية بقيادة عصمت عبد المجيد هو البداية لاعادة الحيوية للعلاقات العربية بعد أن اكتشفت العواصم العربية الكبرى عمق التحديات التي تواجهها أمام غطرسة إسرائيلية تقود المنطقة إلى صدام محتوم، وانحياز أمريكي يريد تركيع العرب جميعا، وعجز عربي يغري العالم بإهمالهم. ولم تكن الأمور سهلة على الإطلاق. كانت الجراح القديمة والضغوط الأمريكية تقف أمام جهود المصالحة بين الأشقاء وكانت المناورات الإسرائيلية تمنع لقاء حتميا بين من يقاتلون على الأرض من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وكان الفيتو الأمريكي يمنع عقد القمة العربية. وكانت مشروعات التكامل الإقتصادي ومازالت تواجه العثرات. وكان التنسيق الأمني والسياسي بين العواصم العربية يواجه العراقيل من الداخل والخارج. مرحلة جديدة ومع ذلك فإن الجهود لم تنقطع سواء على طريق المصالحة العربية العربية، أو المواجهة مع العدو، أو تمهيد الطريق لدخول العالم الجديد كوحدة اقتصادية وسياسية في عصر لم يعد يعترف بالكيانات الصغيرة. ومع ذلك فقد انتظر الجميع حتى جاءت انتفاضة الأقصى لتضع الجميع في مواجهة مسئولياتهم، ومع انفجار الشارع العربي بالغضب تنعقد القمة العربية، وتبدأ مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك لا تقتصر فقط على مواجهة العدو ومساندة النضال العظيم لشعبنا العربي في فلسطين، وإنما تعكس أمرين هامين أساسيين: إرادة المقاومة.. ضد العدو الإسرائيلي، وضد الإنحياز الأمريكي، وضد العجز العربي نفسه. وإرادة المصالحة وعبور الجراح القديمة وفتح صفحة جديدة للعمل العربي المشترك أصبحت ضرورية سواء لمواجهة التهديد الإسرائيلي أو لبناء كيان عربي قادر على اقتحام العصر الجديد بكل تحدياته. ولسنا نزعم أنه قد تحقق الكثير في القمتين الماضيتين، ولكننا نزعم أن الطريق أصبح مفتوحا للعمل الجاد إذا كانت الأنظمة العربية على مستوى المسئولية. إن التهديد الإسرائيلي اصبح موجها للجميع والصيحات بضرب دمشق والقاهرة ونسف السد العالي تجعل الحرب احتمالا لا يجب استبعاده. وأمريكا لن تتحرك إلا إذا أدركت أن مصالحها في خطر، والعالم لن يسمعنا إلا إذا أدرك أننا جادون في مواجهة الخطر وبناء المستقبل كأمة واحدة. الأخطار هائلة والتحديات كثيرة، ولكننا على طريق المواجهة أفضل حالا بكثير مما كنا قبل عشر سنوات. إرادة المقاومة التي انتصرت في لبنان وتقاتل في فلسطين لن يستطيع أحد وأدها، وعبرة الكارثة التي مررنا بها في حرب الخليج لابد أن يكون الجميع قد استوعبوها، والخطر الإسرائيلي لم يعد قادرا على اخفاء نواياه، والإنحياز الأمريكي ضدنا خلع ورقة التوت، وسباق الهرولة إلى تل أبيب توقف ومن يمارسه سرا سيدفع الثمن، والقومية العربية لم تعد وهما أو خرافة بل هي المستقبل كما كانت الماضي، والدول العربية أصبحت قادرة على عقد القمة رغم اعتراضات واشنطن، والقمة نفسها أصبحت سنوية، والإيمان بضرورة العمل المشترك يزداد. وبعد شهور ينعقد أول مؤتمر اقتصادي عربي ينسف فكرة الشرق أوسطية من أساسها. عبور الأزمات وعندما يترك الدكتور عصمت عبد المجيد اليوم مهام منصبه أمينا عاما للجامعة العربية لخلفه عمر موسى، فهو لا ينتظر كلمات شكر وتقدير من هنا وهناك. فالتقدير الكبير له ولدوره أنه استطاع أن يعبر بالجامعة فترة مليئة بالمخاطر، وأن يبقيها رغم الظروف الصعبة بيتا لكل العرب، وان يتركها وهى أكثر قدرة على مواجهة التحديات الهائلة وإنجاز المهام الصعبة التي تنتظر القادم الجديد ليستكملها.. ربما بأسلوب مختلف، ولكن على نفس الطريق الذي يجسد آمال الأمة العربية في الحرية والوحدة والتقدم. هل حدث هذا .. ومن المسئول؟ أرجو أن يكون هناك خطأ ما فيما نشر عن التعويضات الخاصة بضحايا حادث الطائرة التابعة لطيران الخليج. صحيح أن المعلومات جاءت على لسان مسئول عن جهاز تابع لمجلس الوزراء المصري، ومع ذلك فأنا لا أصدق أن مسئولا بشركة عربية يجرؤ على وضع (تسعيرة) خاصة به لتعويض الضحايا، فيقرر أن يكون التعويض 30 ألف دولار اذا كان الضحية طفلا من مصر، وأن يكون التعويض 125 ألف دولار اذا كان الضحية طفلا من البحرين!! وأنا لا أصدق أن تلجأ الشركة الى سماسرة التعويضات لخداع أهل الضحايا المصريين والحصول على موافقتم على التعويضات الهزيلة مقابل عمولات كبيرة للسماسرة!! واذا كان هذا قد حدث، فأرجو أن يكون الأمر مجرد خطأ لموظف جاهل أو عملية نصب تتم من وراء ظهر المسئولين، لأنه لو كان الأمر غير ذلك لأصبح كارثة بكل المقاييس. الخطأ سيتم تصحيحه والاعتذار عنه بكل تأكيد بعد أن أصبحت القضية في أيدي مسئولين كبار من الجانبين.. ولكن يبقى السؤال: لماذا؟ والى متى يستمر الرهان على أن قلب مصر مازال قادرا على أن يتحمل الخطأ ويغفر الاساءة حتى ولو جاءت من حيث لا ينبغي أن تجيء الا نسائم المحبة وعطر المودة بين الاشقاء؟! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية