كثيرة هي القصص المثيرة التي بدأت بمزحة وأصبحت واقعاً معاشاً، فبين مزحة وأخرى تمتد المسافة وتكبر لتزج بصاحبها إلى أحد أمرين اما السجن والغرامة، واما الشهرة والثراء.. وحتى لا اتواصل معكم مازحاً أتطرق إلى حكاية المسافر الذي نشرت «البيان» قصته على صفحتها الأولى والذي اوقعته مزحته الثقيلة مع المضيفة عندما طلب منها مساعدته في حمل احدى حقائبه وعندما همّت المضيفة بحمل الحقيبة طلب من المضيفة مازحاً بأن تتوخى الحذر لان الحقيبة تحتوي على قنبلة كبيرة فقامت بدورها بابلاغ القبطان الذي سمع بدوره نفس الجملة تتكرر من المسافر فأبلغ أمن المطار الذي أوقفه على الفور وبدأ في تفتيش الحقيبة ليكتشف ان القنبلة المزعومة ليست سوى حلويات فرنسية تسمى قنبلة!. ولأن المزحة ثقيلة ومدوية كالقنبلة حول إلى النيابة العامة التي اسندت اليه تهمة البلاغ الكاذب وازعاج السلطات الأمنية. هذه الحكاية وغيرها يتكرر يومياً، فمنها ما هو ظريف مضحك ومنها ما هو مثير مؤلم، ولكن ان تستمر دعابة لمدة عامين متواصلين، فذاك ما يثير الدهشة حقاً.. فقبل عدة سنوات نشرت الصحف الايطالية حكاية المزحة الثقيلة التي تواصلت لمدة سنتين والتي كان ابطالها ثلاثة شباب ايطاليين فقراء هم ليو وبيير لوتشا وموريزيو الذين أصبحوا اليوم من المشاهير، فخلال عامين تمكن الاصدقاء الثلاثة من الاستخفاف والاستهزاء بمركز البريد الايطالي وارسال وتخليص مئات الرسائل من ايطاليا وعبرها بطوابع بريدية مزيفة دون ان يضطروا لدفع أي رسوم مستحقة. بدأت الحكاية بماكينة خياطة قديمة تخص جدّة موريزيو، فقد تساءل الثلاثة ان كان بالامكان الحصول على التخريم الموجود عادة في طوابع البريد، وللتأكد من ذلك جلس موريزيو خلف ماكينة الخياطة بعد ان اخذ ورقة خالية وبدأ بتشغيل الماكينة بتؤدة ويمرر الورقة من تحتها بشكل مربع ليكتشف ما ليس في الحسبان.. لقد لمعت فجأة الفكرة الجهنمية في أذهان الاصدقاء الثلاثة، وبدأوا بنسج حكايتهم أو بالاحرى مزحتهم، لقد أرادوا بهدف الضحك والمزاح والتسلية فقط ان يبتكروا دعابة مثيرة. رسم الثلاثة وصمموا طوابع بريدية مضحكة وارسلوها من ايطاليا إلى دول اخرى في العالم، ولم يخطر أبداً في بال اي منهم بأن هذه المزحة يمكن ان تدوم عامين كاملين، خصوصاً وان طوابعهم لا تعتمد على تقليد أو تزييف طوابع حقيقية، وانهم لم يفكروا أبداً في بيعها طمعاً في الربح المادي ولذلك فقد كانوا يتوقعون ان يكتشف اي ساعي بريد لعبتهم. لكن ما حدث غير ما كانوا يتوقعون وكانت الدعابة ولا في الأحلام كما يقال، فالمسئولون في البريد لم يتقدموا بابلاغ الشرطة بأي حادثة تزييف طوابع بريد، فقد انطلت عليهم اللعبة فمرت الطوابع مرور الكرام وختمت بدون ان يشعروا بشيء، الأمر الذي شجع الاشقياء الثلاثة على الاستمرار وتكرار دعابتهم من جديد. وقد استمد موريزيو المهندس المعماري وبييرلوتشا وليو وهما مهندسان متخصصان في الابعاد والمساحات استمدوا أفكار طوابعهم واستوحوها من الاعلانات الحكومية الرسمية الدعائية التي تعرض على شاشات التلفزيون. ويسخر موريزيو بلهجة ثائرة من تلك الاعلانات قائلاً: بدلا من ان تضع الحكومة خططاً وقائية وميزانية للحد من مشكلة تفشي المخدرات، تكتفي فقط بعرض فيلم دعائي قصير يظهر فيه رجل على الشاشة ليقول لمدمني المخدرات تحرق الحياة فاحذروها. وفي نفس الوقت يظهر إعلان آخر على الشاشة يشيد بمزايا غاز الميثان فيصمم الثلاثة طابعاً بريدياً ينصحون فيه مدمني المخدرات بترك الهيروين وتعاطي غاز الميثان، ويستمر الثلاثة في لعبتهم التي امتعتهم كثيراً، فكل طابع جديد يخرج يضيفون عليه روحهم التهكمية الساخرة، واحيانا اللاذعة على الاوضاع السيئة المنتشرة في مجتمعهم، ثم يتطور الأمر إلى اخراج الطوابع التذكارية، فقد اخرجوا طابعاً بمناسبة يوم الماء الفاسد في نابولي حيث يستحيل على السكان شرب ماء الصنوبر، وطابعاً بمناسبة الاسبوع الخاص بالتخويف والتهديد المافياوي بعد ان ازدادت جرائم الاغتيال او تخليص الحساب، وطابعاً بمناسبة بطولة نابولي لسرقة السيارات حيث تظل سيارة الفيات 500 هي المفضلة لدى اللصوص، ثم طابعاً آخر يرسمون عليه خارطة لمراكز الشرطة، وطابعاً يطالبون فيه باعادة بناء سور برلين لكي يجد أصحاب الإعلانات المساحة الكافية للتعبير عن أنفسهم. وقد اتفق الثلاثة على ان طوابعهم البريدية اتخذت الشكل الهزلي الاستفزازي ولكن لب الموضوع يظل بالغاً في الجدية والأهمية. الا ان المزحة التي استمرت عامين كاملين تنكشف فتصادر معداتهم وطوابعهم ويتم توجيه تهمة التزوير والاحتيال للأصدقاء الثلاثة، لكن القصة لا تنتهي اذ يجد الثلاثة أنفسهم من جديد في المجتمع بعيداً عن قضبان السجون الايطالية الممتلئة، فتكتب عنهم الصحافة مئات المقالات والتحقيقات منتقدة الوضع البريدي ومشيدة بالافكار المثيرة للشبان الثلاثة فيصبحون بين يوم وليلة من المشاهير فتنهال عليهم عشرات العروض المغرية. لكن موريزيو يتمادى في الجرأة فيخرج طابع بريد جديداً يحمل صورته الشخصية ويكتب عليه «أخيراً خلف القضبان»!.