بينما تهب رياح التغيير مؤثرة على كل الدول العربية، إلا ان الدول العربية الصغرى في تعاملها مع المتغيرات اكثر عرضة للمفاجآت واكثر عرضة لازمات التغير من غيرها، فمع انتشار حركة الاتصال والتواصل بين المجتمعات والدول والشعوب والافراد نجد ان الدول الصغرى تواجه تحديات كبيرة ترتبط بصغر حجمها وبطبيعة خصائصها وظروفها، وقضية الصغر او الكبر قضية نسبية فلبنان صغير نسبة لكل من سوريا واسرائيل والكويت بلد صغير نسبة لكل من ايران والعراق والمملكة العربية السعودية وبنفس المقياس نجد حالة البحرين او قطر او الاردن او السلطة الفلسطينية، فكل دولة أو كيان يقاس نسبة للدول التي تحيط وتتحكم في بيئته ومستقبله وقراراته، ان الدول العربية الصغرى تواجه مصاعب في عالم يقوم في الجوهر على تقديس كبر الحجم وتعميم التوجه نحو الوحدة والدمج ولم الشمل. ولو تمعنا في حالة الدول العربية الصغرى لوجدناها متقاربة فهي على قلة سكانها وصغر حجمها كثيرة في مشكلاتها واختلافاتها الداخلية وحدة الاجتهادات فيها، بل يصح القول بأن كل مواطن فيها يمثل حزبا، وكل فرد فيها يمثل رئيسا محتملا او زعيما ممكنا بمعنى آخر تعج الدول الصغرى بمشكلات وقضايا هي بعدد سكانها لهذا بالتحديد تبدو الدول الصغرى وكأنها الكون بعظمته، وتبدو وكأن كل مشكلات الدنيا تعيش بين براثينها. وقد يقال بأن هذا امر طبيعي، فالمجتمعات الصغيرة تعيش في قضاياها وترى العالم كله من ذات الافق الذي تعيش وسطه وتتفاعل واياه. ولكن هذا التنوع المرتبط بحدة الاختلاف وتضخيم الفوارق بين اقطاب وتوجهات المجتمع الصغير يؤدي لتحول الدول العربية الصغرى الى بالونات لاختبار الافكار والتوجهات وبالونات للصراع بين فئات وجماعات اقليمية، بل ان كثرة الخلافات والاجتهادات فيها كثيرا ما تتحول لعنصر اضعاف لها، لهذا سرعان ما تتحول الدول الصغرى الى معبر لكل قضية ومشكلة ويصبح الحذر امراً مطلوباً من الدول الصغرى خاصة وانها اضافة لمشكلاتها تتحول لواحة تصدير لمشكلات الآخرين، فالكبار يخوضون صراعاتهم على ارضها ومن السهولة تهديدها او ابتزازها او امتحانها فالدول الصغرى مواقع جذابة لكل من يريد ان يبدأ حربا او يريد ان يحقق مكسبا سهلا، وهي هدف لكل من يريد ان يصفي حسابات له مع دول اخرى اكثر قوة ويصعب مواجهتها بشكل مباشر وفي عالم يقوم على الكبار والوحدات الاكبر على الدول الصغرى ان تجدف احيانا عكس التيار واحيانا وسط امواج عالية لتبقى دون الغرق. ولاحساس الدول الصغرى بحالة من التخوف تجدها تسعى لاثبات نفسها والوقوف منفردة في الكثير من القضايا وهي تتميز في محاولتها الجريئة الابتعاد عن الكبار وخط سياسات خاصة مستقلة تميزها عن غيرها اذ تحاول ان تعالج مشكلاتها ومشكلات غيرها ان استطاعت. ولكن هذا يعود ويضاعف من مشكلاتها وقد لا يقدم لها الامان المطلوب. ان ثمن بقاء الدول العربية الصغرى فوق الخارطة السياسية الدولية وفي اطار النزاعات العالمية والتيارات الجارفة القادمة يتطلب الكثير من العمل والخدمة من قبل الدول الصغرى. وفي هذا المجال نجد ان مسائل كثيرة سوف تقرر المستقبل فمن جهة الدول الصغرى تتطلب وحدة داخلية تسمح لها بفهم حدود الصراع الداخلي وطبيعة اللعبة السياسية المحلية بحيث لا تتحول الى لعبة تساهم في تقويض وجودها وتفتيت كيانها. الدول الصغرى مضطرة للتفكير بعقلية تسمح لها بالانطلاق نحو ضمان دورها المستقبلي وهذا يتطلب تنمية لقدراتها الاقتصادية وعناصر قوتها في المجالات العلمية والفكرية والسياسية. الدول الصغرى مضطرة لاجادة افضل اقتصاد وترتيب احسن بيت وبناء اقوى جامعات ومؤسسات وفضائيات علوم ودفاع، وفوق كل هذا افضل انظمة سياسية وافضل حريات وافضل اعتدال، الدول الصغرى مضطرة لان تكون في المقدمة في علوم العصر وسياساته، في تحالفاته وفي تغيراته وفي حرياته وديمقراطيته، وفوق كل شيء الدول الصغرى مضطرة لتطوير افضل رؤية خارجية وانظمة سياسية خارجية وافضل استعداد للتعامل مع البيئة المتغيرة من حولها بدون هذا كله فالدول الصغرى سوف تتقاذفها الامواج وقلما تصل سفينتها الى بر الامان. ـ استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت