تدرك القيادة الفلسطينية الآن، وبأثر رجعي، انها ارتكبت خطأ تاريخيا بدخولها في اتفاق مصيري مع اسرائيل خارج اطار الامم المتحدة.. ذلك الاتفاق الذي افرزته اجتماعات تفاوضية سرية عام 1993 في العاصمة، النرويجية اوسلو واتخذ اسمه من اسمها، لكن هل استفادت القيادة الفلسطينية من التجربة؟ تقرير «لجنة ميتشيل» الذي صدر هذا الاسبوع والذي يخلو من اي ادانة لاسرائيل كقوة احتلالية اجنبية، واي اشارة لمشروعية نضال الشعب الفلسطيني من منظور القانون الدولي كشعب يسعى لتحقيق الاستقلال الوطني.. يأتي كتذكار لخطأ تاريخي آخر ارتكبته القيادة الفلسطينية بموافقتها اصلا ومن حيث المبدأ على تكوين لجنة «دولية» خارج مؤسسات الامم المتحدة وتكون بالتالي رهن اعتبارات الاستراتيجية الامريكية الاسرائيلية واهدافها. ان السلطة الوطنية الفلسطينية تدرك مثل ما يدرك الجميع ان اي تدخل دولي في المشهد الدامي المتفاعل على الارض المحتلة لا ينطوي على ارسال قوة دولية مسلحة وفاعلة لحماية جماهير الشعب الفلسطيني من وحشية السلطة الاحتلالية الاسرائيلية وآلتها الحربية المتقدمة، لن يكون له اي جدوى، كما تدرك السلطة الفلسطينية في المقابل مدى المعارضة العنيدة المبدئية من قبل اسرائيل والولايات المتحدة لاي تدخل من جانب الامم المتحدة حتى لو كان رمزيا في معمعة الصراع العربي الاسرائيلي، لان التحالف الاسرائيلي الامريكي يدرك ان دخول الامم المتحدة على الخط بأي صورة يعني رد الصراع الى مرجعيته الدولية المتمثلة في القرار 242 وغيره من القرارات التي تنص على الجلاء الاسرائيلي الكامل من الاراضي العربية التي احتلت عام 1967. لكن المؤسف ان القيادة الفلسطينية سمحت لنفسها بمجاراة اسرائيل وامريكا في تنفيذ تخطيطهما التواطؤ بالنأي بالقضية عن متناول الامم المتحدة، وفي هذا الاتجاه كانت موافقة السلطة الفلسطينية على لجنة ميتشيل. ان هذه اللجنة لا تحمل من الصفة الدولية الا الاسم فالسلطة التي قررت تشكيلها اصلا ليست مجلس الامن الدولي او الامين العام للامم المتحدة، وانما انفرد بتشكيلها الرئيس الامريكي بيل كلينتون في اواخر ايام ادارته فجاء التشكيل منسجما تماما مع النوايا والاهداف الامريكية الاسرائيلية. ووفقا لهذا التشكيل فان ميتشيل رئيس اللجنة «سيناتور» في الكونجرس الامريكي، اما عضوية اللجنة فتتكون من خافيير سولانا مفوض الشئون الخارجية في الاتحاد الاوروبي وهو شخصية عرف عنها ولاء ملحوظ للسياسات الدولية الامريكية.. وسليمان ديميريل رئيس تركيا السابق وهو رجل طوع بنان اي ادارة امريكية. ولان مرجعية اللجنة تنحصر فقط في واشنطن فانه لم يكن مثار دهشة انها في تقريرها ترفض تماما مبدأ ارسال قوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني فهو رفض يتناغم مع رفض اسرائيلي امريكي ويعيد الى الاذهان على الفور لجوء الولايات المتحدة لاستخدام حق «الفيتو» في مجلس الامن الدولي لاحباط مشروع اقتراح بهذا المضمون تقدمت به السلطة الفلسطينية. ومنذ اول وهلة لتشكيلها كان التوجه الذي تعتزمه اللجنة واضحا فقد سماها امر التشكيل الامريكي لجنة «لتقصي الحقائق» بينما كان المطلوب فلسطينيا وعربيا ان تكون لجنة «للتحقيق» وبذا كان واضحا منذ البداية ان اللجنة لاتعتزم اعتبار اسرائيل دولة احتلالية واعتبار الشعب الفلسطيني ضحية لهذا الاحتلال. وهكذا تتحمل القيادة الفلسطينية مرة ثانية مسئولية «استثمار» الانتفاضة الشعبية مقابل وهم وسراب.