كانت طائرة الملك (عبدالله) الثاني الخاصة تقف على بعد أمتار قليلة من الاستراحة الملكية المجاورة لمطار الملكة (علياء) البعيد عن قلب العاصمة الأردنية (عمان) بنحو 40 كيلومترا.. كان صوت محركات الطائرة قد ارتفع في صخب واضح وكأنه يذكر الملك الأردني الشاب بموعده مع الرئيس (حسني مبارك) في (شرم الشيخ) بعد ظهر يوم الأحد الماضي.. ولم يكن الملك الشاب في حاجة الى هذا الصخب ليتذكر جدوله اليومي الذي بدأ كالعادة في الساعة السابعة صباحا.. فهو يحترم مواعيده بدقة مذهلة. في ذلك الصباح أجرى الملك (عبدالله) عدة اتصالات ومقابلات مع بعض مساعديه وعلى رأسهم رئيس الحكومة (علي أبو الراغب) الذي رافقه الى الاستراحة الملكية حيث كان في انتظاره وفدان من رجال الأعمال.. الأول من (بفاريا) في (ألمانيا).. والثاني من مصر.. وكان الوفد المصري قد جاء الى (عمان) بدعوة شخصية من الملك نفسه.. في سابقة لم تحدث من قبل.. وهي دعوة تؤكد ما يردده الملك دائما: (إن مشكلة الأردن مشكلة اقتصادية وليست مشكلة سياسية).. إن أبرز المشاكل السياسية الآن هي مشكلة السلام الملتهبة.. وهي (ميراث) لا مفر من الاستمرار في علاجه والتخفيف من آثاره مهما طال الوقت.. أما المشاكل الاقتصادية فهي التي تحتاج الى جهود وأفكار غير تقليدية لعلاجها. تجربة غير مسبوقة لقد قابل السفير المصري الدكتور (محمد حجازي) الملك (عبدالله) 10 مرات في ثمانية شهور هي عمر خدمته في (عمان).. وفي كل مرة كان الملك يقول للسفير: (اهتم بالاقتصاد.. أما السياسة فسوف نطلعك على كل شيء فيها أولا بأول). ولم يتردد الملك في توجيه الدعوة لمدة أسبوع الى (بيل جيتس) الاسم الأمريكي اللامع في عالم (السوفت وير) لزيارة (عمان).. إن الملك يريد أن تدخل بلاده عصر المعلومات وتعوض ما فاتها.. وقد كان أشهر قراراته الفورية توزيع ألفي جهاز (كمبيوتر) مجانا على تلاميذ المدارس.. لكنه قبل ذلك يؤمن بأن صداقة هذا الطراز من رجال الأعمال ربما تكون أفضل لبلاده وشعبه من صداقة القادة السياسيين. ولعل ذلك هو ما جعل على رأس حكومته الأخيرة التي تشكلت في (يونيو) الماضي رجل أعمال أيضا هو المهندس (علي أبو الراغب).. وقد كان نقيبا للمقاولين من قبل.. كما أنه كان عضوا في مجلس ادارة عدد من الشركات.. لكنه.. ليس رجل الأعمال الوحيد في الحكومة.. فوزير الخارجية (عبدالإله الخطيب) كان مديرا لإحدى شركات التأمين.. ووزير الشباب (سعيد شقم) كان مصرفيا متخصصا في (الفيزا كارت).. ووزير الزراعة (زهير عبدالله) كان مديرا عاما لشركة (مناجم الفوسفات).. ووزير العدل (فارس النابلسي) كان مستشارا قانونيا لعدد من الشركات والبنوك.. ووزير التخطيط (جواد حديد) كان مديرا للعمليات في إحدى المؤسسات المصرفية.. وكذلك عمل وزير السياحة (عقل بلتاجي) في أحد البنوك.. ويساهم وزير الاتصالات والبريد (فواز حاتم الزغبي) في عدة شركات.. إن غالبية الحكومة الأردنية هم من رجال الأعمال.. وهي تجربة لم تحدث من قبل في أي دولة تؤمن بقوى السوق.. أو تسعى للايمان بها.. ومهما كانت نتيجة التجربة فإنها تعكس ايمان الملك (عبدالله) بالقطاع الخاص.. وتعكس قدرته على طرق أبواب غير تقليدية في علاج المشاكل الاقتصادية التقليدية. وقد سألت رئيس الحكومة (علي أبو الراغب) وكنا نتناول الغداء بدعوة منه في مطعم شرقي شهير في (عمان) عن تجربة خلط السياسة ب(البيزنس).. فقال: (إن الوزراء الذين ينتمون الى عالم البيزنس لهم أيضا خلفيات سياسية).. ولم يشأ الرجل الذي يتولى وزارة الدفاع أيضا أن يذكرني بأنه عضو اللجنة الشعبية العليا لدعم الانتفاضة.. كما أنه كان عضوا في مجلس النواب ورئيسا للجنة الاقتصادية والمالية فيه حتى اختياره رئيسا للوزراء.. لكن الحوار السياسي الذي جرى بيني وبينه أكثر من نصف ساعة ودار حول الانتفاضة الفلسطينية وتصرفات ارييل شارون وموقف ياسر عرفات الصعب ومحاولات الادارة الأمريكية الجديدة غسل يديها من النزاع العربي الاسرائيلي جعلني أعترف بأنه يفهم جيدا في السياسة.. ويفهم جيدا كل ما يجري حولنا.. وأنه ليس مجرد (بيزنس مان) فقط. وعندما زار رجل الأعمال المصري (محمد جمال أبو العينين) عمان وجد أن الطريق الى القصر الملكي مفتوحا لمناقشة سبل الاستثمار المشترك بين البلدين على مستوى القطاع الخاص الذي يؤمن الملك به ايمانا يكاد يكون مطلقا.. وهكذا.. جاءت دعوة الملك لرجال الأعمال المصريين ليقابلوه.. وليسمع منهم.. وقد كان مقررا أن تكون المقابلة في قصره.. ولكن جاء موعد الرئيس (حسني مبارك) العاجل ليغير مكان اللقاء ليصبح في الاستراحة الملكية في المطار قبل أن يطير الى (شرم الشيخ). مواطن عادي حرص الملك أن يصافح كل عضو في الوفد المصري قبل أن يجلس أمامه على مقعد وحيد من طراز فرنسي شهير.. كانت كلماته قليلة وسريعة.. مثل حركته وقراراته.. كانت لغته العربية واضحة وسليمة ومختلفة عن لغته العربية التي ألقى بها خطاب توليه العرش قبل أكثر من عامين.. لقد جاء باستاذين من الجامعة الأردنية لتعليمه اللغة العربية التي يتلقى دروسها يوميا.. وكانت كلماته صريحة كما يصفها الأردنيون.. فقد سافر هو ومساعدوه على حد روايته الى منطقة (البحر الميت) التي تبعد حوالي 60 كيلومترا من عمان وبقوا يومين في فندق هناك دون أن يدعو الصحافة.. ووضعوا خطة الاستثمار الجديدة.. وقرروا تشكيل لجنة متابعة يرأسها هو شخصيا وتضم اللجنة 20 شخصا منهم 16 رجل أعمال.. وهو دليل اضافي على ايمانه بالقطاع الخاص.. وقرروا مد جسور الاستثمار بينهم وبين المستثمرين العرب.. وعلى رأسهم رجال الأعمال المصريين.. ليصنع الطرفان نموذجا يمكن تكراره.. خاصة وأن المسافة بين البلدين لا تزيد على 12 كيلومترا بحريا.. وتربطهما مع دول أخرى شبكات الكهرباء والغاز الطبيعي.. ولو كان التبادل التجاري بين البلدين لا يزيد على 70 مليون دولار فإن حجم الاستثمارات الأردنية في مصر يصل الى 500 مليون دولار.. وهو تقريبا حجم الاستثمارات المصرية في الأردن والتي قفزت الى هذا الرقم مؤخرا بعد دخول رجل أعمال مصري في مجالات السياحة والاتصالات مؤخرا. كنت أجلس في أول مقعد على اليمين في الصف الأول أرقب كل إيماءة تصدر عن ملك شاب لم يكن يتوقع أن يتولى العرش في دولة صغيرة تجد نفسها دائما في مشاكل كبيرة.. لقد كان يتصور أن كل ما يمكن أن يصل إليه هو رئاسة المؤسسة العسكرية التي تربى فيها.. ولذلك.. كان يعيش حياته في الصحراء.. حيث كانت معظم فترات خدمته العسكرية.. أو بين الناس العاديين الذين يرتبط بكثير منهم بصداقة متينة حتى الآن.. وربما لهذا السبب فإن رواد المطاعم قد يجدونه بدون حراسة ظاهرة يتناول طعامه هو وأسرته بينهم.. ولكنه كثيرا ما قال في تصريحاته الصحفية: (إنه يشعر بالحنين الى تلك الأيام السعيدة التي كان يمارس فيها مع أسرته حياة سهلة وبسيطة).. (إنها نعمة لم أعد أستطيع أن أتمتع بها).. فحياته لم تعد ملكا له. وقد حدث ذات مرة أنه كان ذاهبا للسينما فوجد نفسه محاصرا بموكب من 10 سيارات شرطة تطلق صفاراتها بجانب الدراجات النارية و26 من رجال الأمن السريين (وهو ما جعله يشعر باحراج لم يشعر به من قبل في حياته.. في تلك اللحظة قال لأحد أصدقائه: (في المرة المقبلة علينا أن نتخفى لكي نخرج ونمارس الحياة بهدوء).. وهكذا جاءت له فكرة التخفي.. ليعرف حقيقة ما يعانيه الناس من البيروقراطية الحكومية.. لقد تنكر في هيئة رجل طاعن في السن وسائق تاكسي ومراسل صحفي ليعرف كيف تتصرف البيروقراطية الحكومية مع الناس في المستشفيات والمصالح الحكومية.. وفي هذه الجولات الخفية تصاحبه كاميرات تلفزيونية تصور وترصد وتحاسب.. ولعل ما أسفرت عنه تجارب التخفي قد زادته قناعة وايمانا بالقطاع الخاص.. فكان أن قرر خصخصة كل الخدمات والمرافق العامة ومنها البريد والاتصالات والكهرباء والمياه وغيرها. وقد وصف الملك (عبدالله) نفسه بأنه مثل المغني الأمريكي الشهير (ألفيس بريسلي).. لقد رحل (الفيس بريسلي) في (نوفمبر) عام 1977 ولكن عشاقه يصرون على أنه لا يزال على قيد الحياة.. وأنه يمكنه الظهور في أي مكان.. إنه مثله يمكنه الظهور في أي مكان.. ولكن متخفيا في أية صورة.. وهو ما أشاع خوفا عند الموظفين.. وبدءوا يعاملون كل شخص على أنه ملك لأنهم لا يعرفون ما اذا كان هذا الشخص المنتظر أمامهم في الطابور هو الملك فعلا أم مجرد مواطن عادي؟ ولا تشعر بالفعل وأنت في الطريق لمقابلة الملك بضغوط الحراسة والأمن عليك.. فلا تفتيش.. ولا بوابات الكترونية تكشف المعادن وتصرخ بمجرد أن تمر بها علبة (سجائر).. ويقول أصدقاؤه إنه قاد بمفرده لنشا من (العقبة) الى (إيلات) دون غطاء جوي وهو في طريقه لمقابلة رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق (ايهود باراك).. كان معه نصف حكومته ومستشاروه.. ولم تكن الظروف الأمنية في المنطقة على ما يرام. تكامل لا تنافس وحتى الآن لم يزر الملك (عبدالله) اسرائيل رسميا.. فهو يرى أنه كان عليه أن يقيم علاقات قوية بالعالم العربي أولا.. وقد أضاف قائلا ل(جيفري جولدبرج) في صحيفة (نيويورك تايمز): (إن ذلك سيفيد اسرائيل).. كيف؟.. (لأنه لو نظرت الدول العربية باحترام الى الأردن وهي في حالة سلام مع اسرائيل فإن هذا يكون في مصلحة اسرائيل).. وقد نجح الملك (عبدالله) بالفعل في اعادة العلاقات الطبيعية التي كانت متوترة مع سوريا والعراق ولبنان.. كما أنه كثيرا ما ردد أن بلاده لا تدخل في منافسة مع مصر فيما يتعلق بالجهود المبذولة للسلام.. وسبق أن قال في حوار صحفي: (اذا كان هناك دور للأردن في عملية السلام فهو دور مكمل للدور الذي بدأه الأشقاء في مصر الذين كان لهم الدور المركزي والرئيسي في بناء السلام.. ومصر هي الشقيقة الكبرى التي لا ينكر عليها أحد دورها أو ينافس عليه).. وربما كانت المبادرة المصرية الأردنية دليلا على التكامل لا التنافس. وربما لم يلحظ أحد ممن يروا الملك إنه دائما ما يضع في قدميه حذاء ثقيلا.. إنه حذاؤه العسكري الذي يستريح فيه أكثر.. بل انه لا يطيق الملابس الرسمية كثيرا.. ولعل خدمته الطويلة في وحدات الجيش الصحراوية هي التي جعلته يتحمل أن يصبح مسئولا فجأة بين نهار وليل عن دولة بأكملها.. ويتحمل كل متاعبها.. ويحاول أن يعيد صياغتها بصورة تبدو في عينيه مثل سويسرا كما قال بنفسه. لقد تولى العرش في (فبراير) عام 1999 دون توقع منه.. فهو بعيد تماما عن ما يجري في القصور.. وهو غالبا إما مع الناس يعيش حياته.. أو في الصحراء يؤدي دوره العسكري.. أو يتدرب على قيادة الطائرات.. أو القفز بالمظلات.. أو الرماية بأسلحة مختلفة.. لم يكن يتصور أن العرش سيكون من نصيبه حتى أصيب والده بسرطان (الغدد الليمفاوية) وبدت النهاية تظهر أمام عينيه.. في تلك الفترة.. وبالتحديد في (أكتوبر) عام 1999 قال له الملك (حسين) وهو تحت العلاج في (الولايات المتحدة الأمريكية).. (أريدك أن تلعب دورا مهما لأنني مرتاح تماما الى أدائك خصوصا أنك عملت دون إسناد مني).. ثم وبسرعة أضاف: (إنني مريض وللأسف هناك تراجع في صحتي وأريدك أن تتسلم المهمة).. ولم يكرر (عبدالله) ما سمعه من أبيه لمدة 4 شهور حتى كان ما كان. وعلى عكس ما كان متوقعا فإن شعبية الملك الجديد زادت ونمت وبدت الأردن وكأنها تولد من جديد.. لقد انتبه الملك (عبدالله) الى أن أكثر من 60% من الشعب الأردني في عمر الشباب وما تحته.. فكان أن قرر الاستعانة بفريق من الشباب الأردني الذي تعلم في الغرب.. ورغم أن صراعا بين الأجيال قد نشب.. ولا يزال مستمرا ولو تحت الجلد فإن وجوها جديدة بدأت تفرض أفكارها وتصوراتها على الواقع والمستقبل. إن واحدا من أبرز هذه الوجوه الشابة هو الدكتور (باسم عوض الله) رئيس الدائرة الاقتصادية للديوان الملكي.. وهو الذي تولى ترتيبات زيارة الوفد المصري.. وقد درس في جامعة (جورج تاون) في (واشنطن) ودرس في مدرسة (لندن) الاقتصادية.. ونجح في الحصول على درجة الدكتوراه في وقت قياسي مبكر.. وقد قال لنا: (إننا قررنا أن لا أحد يتخرج في الجامعة إلا إذا كان يجيد الكمبيوتر واللغة الانجليزية).. وهو قرار يعني انه لا أحد يترك الجامعة إلا اذا كان قادرا على التفاهم مع العصر.. عصر الانترنت.. وتكنولوجيا المعلومات. وبدت لنا المسئولة عن الاستثمار (ريم بدران) وكأنها طالبة في الجامعة على وشك التخرج.. لكن بمجرد أن راحت تعرض وتشرح حتى أقنعتنا بأن الخبرة بالموهبة وليس بالبيروقراطية والنمو الوظيفي. إن المعرفة قوة.. والأفكار الجديدة ثروة.. والشباب الفاهم جرأة.. وهذه كلها أدوات العصر الذي نعيشه.. وعناصر تفوقه ونموه.. وأستطيع أن أقول ان الأردن البلد الصغير الذي كنا نتصوره واقفا في مكانه فهم ذلك.