في نهاية العام 1999 اصدرت دار نشر لبنانية تقريراً استراتيجيا في غاية الاهمية ضمن سلسلة (ملفات استراتيجية)، وكان تحت عنوان: (الدول العربية والامن الاقليمي بعد حرب الخليج) وعنوان آخر: (اتجاهات سوق النفط العالمي ومضاعفاتها على (اسرائيل) وقد اهملت قراءة التقرير مع خطورته، ثم عدت وتصفحته منذ يومين خاصة وأنا أتلقى اسئلة يومية حول جدوى وجود لجنة لمقاومة التطبيع مع (اسرائيل) في منطقة ليست طرفا في الصراع المباشر مع (اسرائيل) حسب ما يزعم بعض السائلين!! في نهاية التقرير الاستراتيجي ثلاث صفحات جاءت تحت عنوان (اسرائيل والنفط) وهي تلخيص لما جاء في برنامج حواري بثته القناة الثالثة في (اسرائيل) في 15/1/1999 وشارك فيه وزير الطاقة (الاسرائيلي) السابق موشيه شاحال وتسفي زامير رئيس معهد علوم النفط (الاسرائيلي) والمحلل السياسي المختص بالشئون العربية عديد كرانوت وغيرهم من ذوي الاختصاص. بدأ مقدم البرنامج حديثه قائلا: الاهتمام الاستراتيجي (الاسرائيلي) بالخليج تعود اسبابه الى وجود منابع النفط الكبرى فما الجديد اليوم؟ وزير الطاقة قال باختصار: «الجديد اليوم انه وبعد حرب الخليج وحصار العراق اصبحت كميه النفط المخزونة في العراق تماثل تلك الكمية الموجودة في السعودية وليس ثلثها كما كانت تشير التقديرات السابقة والجديد ان الشركات الامريكية الكبرى عادت في مجال التنقيب في السعودية لمنافسة (ارامكو) وسير الابحاث يقول بأننا لن نستطيع انتاج طاقة بديلة إلا مع نهاية القرن الحادي والعشرين، مع مواجهة مشكلة الابحاث باهظة التكاليف، وعدم اهتمام الولايات المتحدة بتمويل هذا النوع منها باعتبارها غير مجدية قياسا لما احرزته من سيطرة على مناطق النفط في مناطق كثيرة من العالم». انهم في (اسرائيل) يحتاجون اليوم الى أكثر من 12 مليون طن من النفط سنويا، وهم يخزنون كميات كبيرة لاسباب أمنية واستراتيجية معروفة، فالتهديد بالحظر العربي على تصدير النفط مازال ماثلا في مخيلتهم منذ العام 1973، وهم يشترون النفط من السوق العالمي ويتأثرون بأسعاره، ولذلك تضج الولايات المتحدة ـ بضغط من اللوبي الصهيوني ـ عندما يرتفع سعر النفط دولاراً واحداً، لان زيادة دولار واحد على سعر البرميل تكلف (اسرائيل) سنويا (100) مليون دولار، من هنا فمن المصلحة ان يكون السعر منخفضاً باستمرار. والمصلحة تتمثل في زيادة الكمية المشتراه مع انخفاض سعرها ذلك انه في عام 1984 كانت (اسرائيل) تستورد نفطا بما مقداره 8 ملايين طن سنويا بسعر (2.5) مليار دولار حسب اسعار تلك الايام، اما اليوم فإن (12) مليون طن تستوردها بنصف المبلغ نتيجة تدهور الاسعار! ما يتيح الفرصة لتطوير بدائل النفط، واستغلال الغاز لحل مشاكل (اسرائيل) الدولة الوحيدة في المنطقة التي لاتمتلك غازاً ولا نفطاً. خبراء النفط والطاقة في اسرائيل يقولونها بصراحة انهم سيبقون في حالة طواريء دائمة بخصوص النفط ومخزونه برغم ان مصر تشكل لهم افضل مصدر للغاز وهم بدورهم يساهمون في مصفاة الاسكندرية ويتزودون منها، بالرغم من أن حالة التراخي العربي قد قلصت من درجة قلقهم بلا ادنى شك. كما ان سيطرة الولايات المتحدة على المنطقة الاكبر والاعظم بالنسبة لانتاج وتخزين النفط ـ الخليج ـ جعل اسرائيل في حالة استرخاء اكبر ايضا، فالنفط تحميه قوة عظمى وحليفة رئيسية لها ما يضمن تدفقه بأسعار منخفضة بعد ان ابتعد النفط عن ساحة الصراع السياسي. من هنا تأتي فرصهم الكبيرة للتحرك في مناخ تم حقنه جيداً بثقافة السلام لخدمة هذه المشاريع! المشكلة ان هذه الحقائق تقال علنا في (اسرائيل) وتنشر علنا في تقارير استراتيجية متداولة بين ايدينا، لكننا لانقرأ أولا، ولا نهتم ثانيا، ولا نتحرك كما قال مفتي مصر إلا عند وقوع الخطر ثالثا، ثم نأتي لنسأل اسئلة في غاية السذاجة رابعا!!