هناك شعوب نهبت سلطتها بالقوة، وهناك شعوب اجبرها الدهر على حكامها، وهناك شعوب تركع في حضرة من يدبرها، وهناك شعوب نفخت حبا زائفا لقياداتها، وهناك شعوب انطلت عليها براثن اللعبة، تعيش حسرة الفقدان وتنتظر الفرج، وهناك شعوب رزقت بالحب الانقى، شاء لها الخالق ان يخلق من بين صفوفها حكيما عطوفا فصار ابا واخا وصديقا وحبيبا هكذا بدون فوائد ولا عوائد، وبدون مزايدات ولا وسطاء. قدر الشعوب التي اعتلت سلطاتها على اكتافها ان تثور وان تشرب المرارة لتجد من بينها من يحول الحب الى عنوان العلاقة بين الحاكم والمحكوم، واحيانا يصل مرادها وكثيرا لا تصل، تعيش الاضطراب تلو الاخر، فصار ذلك قدرا دائما، وقدر الشعوب التي انطلت عليها سلطاتها صارت رهينة الخطابات الرنانة المفبركة التي يعدها من في معية السلطة ذاتها، تغسل ادمغتها بالاماني والوعود والمزيد من الحيل اللماعة و تنطلي الالاعيب دائما. اما قدر الشعوب القليلة النادرة من تلك التي رزقت بقيادة حكيمة تفرش الود بسطا، وترفض الكراسي المطلية بالذهب والابواب الموصدة امام البسطاء من اهلها، تلك التي تشعر ان شريعة الحكمة تقتضي قيادة الابوة الرحيمة الحنونة، تنطلق من دفء الرعية فهي شعوب كتب الله عليها السكينة وعزلها عن اضطرابات العلائق الدقيقة. في التاريخ نقرأ قصص الامم والشعوب ونتعجب كيف اديرت وكيف قيدت وكيف روضت لاهواء فرد او طائفة، وفي التاريخ نقرأ في باب الندرة القليل من تلك العلائق الفريدة التي صارت حكمة في الأمثال. جاء زايد الرجل من بيننا خلعنا عليه السلطان فأبى الا ان يكون منا، صار دفئا للجميع وبدون ابواق ولا عناء دفعتنا طيبة قلبه ان نشعر به ابا، لم يعتل منبرا عاليا فوق رؤوسنا ليقنعنا به، نحن الذين صرنا لا نطيق ما حولنا في غيابه، حتى اطفالنا اجبرونا على الغيرة منه.. يولدون ودون ان نلقنهم يشيرون الى صورة شخصه في كراريسهم المدرسية ويتهجون ما تنبض به قلوبهم الصغيرة الصادقة «بابا زايد».. اخذهم عنا كما اخذنا عما حولنا فوجدناه وطناً. يكتب امام اسمه رئيس الدولة ونلفظ نحن في احاديثنا قبلها «الوالد» لم تجبرنا ابواق رنانة على ذلك ولدت في قلوبنا وعلى السنتنا هكذا كما تولد الاشياء في طبيعتها.. احبنا بلا مقابل، صرنا شاغله، يخاف علينا كثيرا، ودليلنا الدائم في المسير. في احاديثه الدائمة نبرة الاب لا نبرة الحاكم، في توجيهاته يأخذنا برفق.. هكذا تشرق ايامنا كل صباح في معيته فكيف لا يصبح ابا، ولا يسيطر علينا ود اشاعه في القلوب دون منة؟ يحسدنا الاخرون كثيرا ونغار منه عند اطفالنا.. انه لا يقودنا اليه بل نحن الذين ننسحب من قلوبنا تجاه شخصه وقامته الاصيلة..علمنا ايضا اننا هو، فصار حكمة في حياتنا.. نحن نحبه..هكذا وهو يحبنا دون ابواق.