كلما اقتربت الصفحات من نهايتها تكبر ذرة الأمل فيك: سيجدها «يحيى» اخيراً. وترسم صورة النهاية كما تريدها أنت. في الصفحة الأخيرة يضيق صبرك، مطلوب منك أن تكتم مشاعرك، فأنت في جو الرواية، وتسلم ان النهاية يصنعها المؤلف كما يريد النص، لا كما تتمنى. إذا مارست «مدن تأكل العشب» سحرها عليك، ستنادي في الفضاء المتبقي بعد آخر السطور فيها، ناصحاً مبشراً: توقف يايحيى، ليوم واحد، فقط ساعة، مجرد لحظة. انها تكاد تقترب منك بعد هذا الموت، ارحمها. لو تعلم انها باعت كل شيء في سبيل البحث عنك، حتى «حسينة» هذه التي تطاردك عيناها في الباص، دون ان تترك لها فرصة التعرف عليك. امك في جدة بالقرب من «حياة». لاترحل.. طبعاً لن يسمعك يحيى، ولن يحقق «عبده خال» لك هذه الامنية، فهو اراد ان يحملك بعض العذاب الذي سارت عليه حياة البطل يحيى. هذه الرواية من الاعمال التي تستحق ان تبحث لها عن وقت للقراءة، لا تطالبك إلا ان تفتح صفحتها الاولى، وهي كفيلة ان تجد الوقت ـ في هذا العصر المتسارع الخطو واللاهث نحو الفراغ ـ وان تتحكم هي في زمنك ومشاعرك. قد يكون موضوع الرواية: الضياع وسواد لغة الأحزان والمصاعب التي تتزايد في كل فصولها ولحظة الأمل التي تولد صغيرة منذ البدء وتكبر ومن ثم تعود ضيقة، ايضاً رائحة التاريخ والامكنة التي تشهد ميلاد أحداث الرواية، وما تحمله من اسقاطات الواقع السياسي والاجتماعي للمنطقة العربية في المرحلة التاريخية التي تتحدث عنها الرواية. كلها عوامل تجعل القاريء ينجذب نحو هذا العمل. تتحدث رواية «مدن تأكل العشب» للكاتب السعودي عبده خال والصادرة عن دار الساقي، عن قصة طفل اسمه يحيى، قررت جدته أن تأخذه معها للحج رغم صغر سنه وخوفه الشديد وتعلقه بأمه وقريته. أركبت العجوز حفيدها الحمار، والتحقت بالمجموعة، وبدأت رحلة التيه، تناثرت القافلة في الطريق، ضلت دربها وأصابها الجوع والظمأ، ومات عدد من افرادها من بينهم الجدة العجوز. حكم على يحيى بالشقاء في رحلة الموت هذه، تفرقت القافلة، وانشغل كل واحد فيها بأمره، وبقي الصغير وحيداً. اقترب منه ذلك الرجل الضخم، فسار يحيى في ظله، باع حماره وقبض الثمن، لم يسلمه لجيب الصغير انما قرر ان يحتفظ به، اوحى له انه سيرعاه ويساعده في عودته لوالدته، لكن بعد ان يحقق حلمه ويعود لها وبين يديه قافلة محملة بالذهب، ولكي يأكل ويعيش، رضي ان يعمل رغم صغر سنه، فهكذا قرر طاهر الوصابي سيده أو والده كما نسب اليه، ان يشغله صبيا في مقهى الغرباء القابع على الطريق الصحراوي. رحلة طويلة شاقة مروا فيها بمدن ومصاعب حتى وصلوا جدة، هنا يسكن طاهر، وكذلك خالة يحيى. نزل الاب في بيته، وعرّف أسرته المكونة من زوجته وابنتيه عواطف وحياة ، على الضيف الذي سيصبح واحداً منهم بل معيلا لهم، فطاهر رجل كسول لا عمل له، حياته كلها ترحال خلف سراب تلك المرأة التي هام بها ورحلت، فقضى عمره في سفر متواصل يبحث عنها. حاول يحيى بعد ان استقر في جدة، ان يجد خالته خديج خالدية، لكنه لم يعثر عليها ولم يتعرف أحد على هذا الاسم، فخالته غيرت اسمها بعد ان وقع لها حادث سير في اول مرة وصلت فيها الى المدينة، فرقدت في المستشفى وخرجت منه باسم «ناجية». اقترب امل العودة عندما قرر ان يتعلم ويكتب رسالة لامه، وفعل، وعاد له الجواب يحمله والده طاهر. قالت له امه انها تريد مالاً، وتوصيه ان يظل مخلصاً لهذا الرجل الطيب. حقق رغبة امه، وقرر ان يعمل ويستدين ليرسل لها طلباتها المالية التي لا تتوقف. عاد ليعمل صبيا في احد مقاهي المدينة الجديدة. يكد ويسهر الليل في العمل ويكمل صباحه في الدراسة، وينتظر رسائل امه. لم يعلم الا بعد ان انتهى الامر ان المال لم يصل وان امه لم ترسل له أية مراسيل. في المقهى الذي عمل به، تعرف على شلة شباب يتعاملون بالسياسة والثقافة، فانضم اليهم وتعرف على عالم جديد يتحدث عن رفض العبودية وينادي بالحرية والمساواة، وسمع عن القومية العربية، وتأثر بفكر جمال عبدالناصر، واصبح مثل رفاقه من اشد المتحمسين للناصرية، التي حمل لها كرها شديداً فيما بعد. أمه هناك، كان وضعها أشد بؤسا، الحاجة والفقر وقلبها المحروق على طفلها الذي اصبح شابا ولا تعرف مصيره. اشتعلت حرب اليمن، وبدأ تدخل القوات المصرية، فهربت الام مع بناتها وكذلك فعلت بقية اسر القرية عندما شعروا ان الحرب على بعد خطوات منهم، ذهبوا الى جيزان، فلحقت بهم أهوال واشباح المعارك التي عاشتها المنطقة. حمارة يحيى التي لمحتها الام اعادت لها الامل، شمت رائحة ابنها، لكنهم هربوا من جيزان هذه المرة عندما اقتربت لظى الحرب من المدينة. اما يحيى فرحل الى قريته بعد هذا العمر يبحث عن امه، وجد الأطلال ولم يجد أهله، تعرّف عليه أحد السكان الذين صمدوا فيها واخبره قصة امه مريم وسيرتها مع العذاب. رحل خلفها مسرعا يبحث عنها، اقترب منها عندما دخل جيزان، لكن الناس الذين لقيهم في الطريق صدموه عندما سألهم عن بيت قريبه الذي نزلت فيه امه واخوته وخاله، واخبروه انهم ماتوا جميعا! شعر بالموت يسري فيه. لكن اسرته كانت على قيد الحياة، خيّل للناس أنهم هم الذين سحقتهم القنابل قرب الميناء، لم يعلموا انهم احياء إلا عندما عادوا من جديد، بعد رحلة خوف طويلة في ظلمة البحر، قربتهم من نيران الحرب بدل ان تحملهم بعيدا عنها. ركضت ام يحيى مسرعة في عودتها، تسأل عن حمارة ابنها، فتعرفت من خلال البيت الذي اشتراه والذي مات صاحبه وابنه في صورة مأساوية صنعتها الحرب، وبقيت الزوجة وحيدة مع خادمتها. سمعت قصة ابنها، وعرفت اسم الرجل الذي حمله ورحل به الى جدة، وعرفت ايضا انه جاء الى هنا يبحث عنها. اقتربت الرواية من النهاية، عندما عاد يحيى الى جدة فاقدا كل شيء، لم يبق له إلا «حياة» التي احبها وحمل ترابها في منديله وكتب عليه «اللهم ابعثني مع اهل هذا التراب»، لكنها لم تبادله ذلك الشعور، فعاش على امل ان يتحقق حلمه هذا يوما ما. لكن «حياة» قضت على كل احلامه في اللحظة الاخيرة. اما امه فباعت اهلها وقريتها وابنتها حسينة لذلك الرجل الغريب الذي جاءت به الحرب والذي يكبرها بثلاثين عاما من اجل ان يحملها الى جدة، لتجد يحيى. هما الابن وامه في مدينة واحدة، يكادان يلتقيان بعد هذه السنوات من الضياع والتعب. لحظة فرح تساوي احزان العمر الماضي، وذلك أمر لم يحدث في هذه الرواية، فمسلسل الاحزان لاتنتهي حلقاته، ولا يُقبل الفرح على القلوب المتعبة. فرحلة الضياع لا نهاية لها!