على ما يبدو أن مراهنات شارون على استخدام القوة لفرض جملة من الشروط السياسية على الفلسطينيين، رغم التدمير المنظم وهدم البيوت وتخريب المزارع المترافق مع الحصار الاقتصادي، قد باءت جميعها بالفشل، وهذه القضايا مجتمعة، جعلت خيارات التفاوض صعبة جداً، والتي سعى شارون من خلالها العودة إلى التنسيق الأمني بآلياته الأولى التي اتفق عليها من قبل طرفي التفاوض الإسرائيلي الفلسطيني، باعتبارها تشكل بدائل سياسية مرضية للطرف الإسرائيلي، تتجاوز قضية الاستيطان وتفكيك المستوطنات وتسمين البعض منها وقضايا الانسحابات والقدس وغيرها. مما دفعه إلى الانتقال لتوسيع دائرة تكتيكاته العسكرية التي تمثلت في اقتحام الأراضي الفلسطينية المحررة وبالتحديد مدينة غزة وضواحيها، واعتبار هذه الخطوة بمثابة جس نبض العالم الغربي بعامة والولايات المتحدة بشكل خاص، لكنها هي الأخرى باءت بالفشل الذريع بعد الإنذار الأمريكي الذي وجه لقواته الغازية والتي لم يدم بقاؤها أكثر من أربع وعشرين ساعة. لكن انطلاقاً من عناد شارون ومثابرته التي نعرفها مبكراً، لم يتوقف عند حدود الغزو والتدمير، فقد رأى ضرورة استخدام كل أوراقه ووسائله السياسية، من خلال تجيير أدوات الخصم، ليجد ضالته في المبادرة المصرية الأردنية واعتبارها جسراً للعبور نحو توسيع الدائرة بهدف دق أسافين الفرقة والتشتت بين أبناء الصف الواحد، خاصة وأنه يحتوي في حكومته اليمينية على بعض الذئاب الملساء التي تمتلك القدرة على التلون باعتبارها قادرة على الظهور دوماً بملامح آدمية، مثل شمعون بيريز وزير خارجيته، فقد حاول إيهام الأطراف العربية وبالتحديد الفلسطينيين الطرف الصراعي الأول، وطرفي المبادرة العربية الأردن ومصر، ليدخل من مسامات التعديل لبعض بنود هذه المبادرة، والتي تمثلت في رفض البندين المتعلقين بوقف الاستيطان واستئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني من النقطة التي توقفت عندها. وبالتالي ظن العديد من المراقبين وأصحاب الشأن أن بيريز يمتلك تفويضاً شارونياً كاملاً للمضي قدماً في إرساء قواعد تفاوضية تعتبر حلاً وسطاً بين الأطراف، تعيد بدورها عجلة التسوية المتوقفة لترفع عن كاهل الفلسطينيين بعضاً من معاناتهم التي طالت، وتخرج المنطقة من حافة الهاوية التي وصلت إليها بشكل واضح لا لبس فيه على الكثير من الجبهات العربية. حالة من الشقاق فبالنسبة إلى واقع الانتفاضة والوضع الفلسطيني، أحدثت حركة بيريز، التي لم تكن على الإطلاق خارج الرؤية الشارونية، حالة من الانقسام الداخلي على المستوى الفلسطيني، وباعدت بين المواقف السياسية للقوى الفاعلة التي التأمت عبر صيرورة الأحداث وتطورها بحيث كان من شبه المستحيل أن تتوحد هذه القوى بعيداً عن الحدث الانتفاضي وتطور فعالياته. وسرعان ما بدأنا نشهد حالة من الشقاق، بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية على سبيل المثال لا الحصر، وقد عبر عن هذا الاختلاف أو الشقاق، كما درجنا على تسميته، والذي تمثل باعتقال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي يعتبر من قيادات الصف الأول في حركة حماس على المستويين الميداني والسياسي. بالمقابل أحدثت هذه الحركة المحسوبة والمرسومة جيداً، حالة من الشقاق السياسي والتباين بالمواقف الميدانية، بين قيادات فتح الميدانيين أمثال مروان البرغوثي وحاتم عبد القادر وحسام الخطيب وغيرهم من قيادات الأقاليم والمناطق والقرى واللجان وبين مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، كمقدمة لزرع الفتنة وروح اليأس، من خلال التضليل والخداع والمناورة وكل أشكال المكر السياسي الذي يسعى إلى تغييب الآخر من المعادلة السياسية التفاوضية، ويقلل من فاعليته ومتطلباته بما في ذلك التقنية. مناورة مكشوفة وقد أكدت نتائج زيارة بيريز حقيقة الأهداف التي عمل من أجلها، بحيث أن زيارته إلى عمان والقاهرة لم تخرج عن سياق المناورة وكسب الوقت وشجب التحركات العالمية الرافضة للممارسات الإسرائيلية القمعية التي تنتهجها كبرنامج يومي متواصل، في الأراضي الفلسطينية، وبالتحديد الموقف الفرنسي الذي عبر عنه وزير خارجيتها اوبير فدرين أثناء زيارته إلى بعض عواصم المنطقة، وقطع الطريق على التحرك الفرنسي المدعوم أوروبياً في لعب دور أبرز في المنطقة وتقريب وجهات نظر الأطراف وتخفيف حدة التوتر، بهدف إرساء السلم والأمن الدوليين فيها. بموازاة كل ذلك وهو الأهم عمل بيريز بالاتفاق مع شارون على إحداث حالة من الإرباك في المواقف والمساعي المصرية بهدف تحجيم دور مصر من لعب دور سياسي إقليمي، ولعل تسليم رسالة شارون التي حملها بيريز للرئيس مبارك، كانت تهدف بالإضافة إلى عزل مصر عن لعب دورها السياسي على المستويين العربي والإقليمي، إلى إحداث الوقيعة ما بين الفلسطينيين والمصريين من جهة وما بين المؤسسات السياسية المصرية والشعب المصري من جهة أخرى. وبهذا يكون شارون اليميني المدعوم عمالياً، قد حقق ولو جزئياً نقل الأزمة من الداخل الإسرائيلي إلى المحيط العربي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وأدخل الشك والريبة إلى النفوس التي كانت ترى بعدم جدوى الانتفاضة، التي ما تزال بكل الجد والحق السلاح الأمضى والافعل في مواجهة سياسة الاحتلال الإسرائيلي. لكن بالمقابل علينا أن نعترف أن بيريز حقق ولو بشكل نسبي جملة من القضايا والأهداف والمرامي التي تحرك من أجلها، فبعد أن تطور النقاش الفلسطيني وتبلور نحو تشكيل قيادة موحدة للانتفاضة، توصل الشعب الفلسطيني إلى الدولة والاستقلال وعودة اللاجئين، بمعزل عن نتائج التفاوض المرحلي وما قد تفضي إليه،، ضرب مصداقية هذه التوجهات عند البعض الفلسطيني وأدخل الشك إلى نفوس البعض الآخر وهذا كان واضحاً من خلال التصريحات والبيانات والمواقف المتطايرة من كل صوب وحدب بعيداً عن التطرق لمصادرها وللأحزاب والتنظيمات الفلسطينية، التي عبرت عن ذلك. وفتح المجال باستخدام المرحلة الثانية من الخطط الجهنمية التي رسمها شارون في قمع الانتفاضة، والتي تمثلت في إدخال الرعب إلى نفوس المدنيين الفلسطينيين، من خلال إرسال السيارات المفخخة إلى الأحياء الفلسطينية، التي ستؤدي إلى القتل الجماعي دون تمييز. كما أنه عزل المبادرة الأردنية المصرية، لتكون أساساً لعودة التفاوض، بل زاد الأمر سوءاً في إدخال الإرباك في الموقف المصري، عندما اضطر وزير الخارجية عمرو موسى إلى التخفيف من تصريحات الرئيس حسني مبارك بإعلانه أن هناك مباحثات تجري مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشأن الاتفاق على وقف النار وتجاوز الضمانات التي من شأنها إعادة برنامج واضح أو جدول زمني للتفاوض مع الفلسطينيين،وألبس المصريين موقفاً سياسياً ليسوا بصدده على الإطلاق، بأنهم قبلوا بمبدأ وجوب وقف العنف قبل استئناف التفاوض، مع العلم أن شارون وحكومته قبلا قبل زيارة، بيريز الوقيعة ،التفاوض مع الفلسطينيين تحت ضربات الانتفاضة، ومن دون قيد أو شرط، وهذا ما تؤكده كل الدوائر السياسية والإعلامية الإسرائيلية وبعض العواصم الأوروبية التي ارتضت أن تستضيف بعض اللقاءات الثنائية، بأن المفاوضات الأمنية بين الطرفين جارية على قدم وساق خارج حركة بيريز. وهنا يمكننا التنويه إلى أن البرنامج السياسي الذي جاء بحكومة شارون كان ولا يزال قائماً على استخدام كل وسائل العنف لوقف الانتفاضة، والتبرؤ من كل الالتزامات والاتفاقات التي وقعت على مدار السنوات العشر الماضية،وأن الحركة المحمومة التي يقودها بيريز تصب في ذات الاتجاه وليس خارجه كما يحلو للبعض أن يراها. وبات لزاماً على الدبلوماسية العربية أن تقلع عن محاولاتها في تلميع هذه الشخصية الإسرائيلية أو تلك، لان التجربة مع ايهود باراك كانت كافية لنتعظ منها جميعاً، خاصة وأنه جاء إلى السلطة في إسرائيل على أساس إكمال ما توصل إليه رابين، وهذا ما وعدنا به جميعاً على الأقل من خلال الراعي الأمريكي لعملية السلام ـ كاتب فلسطيني