إذا كان المعروض على الفلسطينيين هو إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل 28 سبتمبر الماضي، إذا ألقوا سلاحهم وأوقفوا مظاهراتهم وتوقفوا عن حصب الحجارة فإن من البدهي أن يتساءلوا: لم كانت الانتفاضة إذن؟ وهذا التساؤل المنطقي يبقى ساري المفعول حتى لو كانت «مكافأة» وقف الانتفاضة هي أن يوافق أرييل شارون على تجميد عملية بناء مستوطنات جديدة أو حتى وقف التوسع في المستوطنات القائمة لأنه ليس بوسع أي طرف عربي على الإطلاق أن يضمن للفلسطينيين أن شارون سوف يستلزم التزاماً حقيقياً وصارماً بتعهد كهذا لو افترضنا أنه على استعداد لإعطاء مثل هذا التعهد أصلاً. التوسع في بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة وفق برنامج إسرائيلي ثابت لا يتوقف تنفيذه أبداً هو أحد عناصر «رأس المال» الانتخابي الذي بموجبه حصد أرييل شارون تلك الملايين من أصوات جماهير الرجال و النساء والشباب في إسرائيل ـ وبوجه أخص سكان المستوطنات ـ التي كانت بمثابة مبايعة له لتولي السلطة. وإذن فإن أي طرف عربي يطرح على الفلسطينيين اقتراحاً بأن من الممكن أن يوافق شارون على «تجميد» عملية الاستيطان يكون كأنه يحاول أن يقنع الطرف الفلسطيني والعرب عامة بأن الزعيم الإسرائيلي يرغب في الانتحار سياسياً. أرييل شارون شخصية يهودية هي بإيجاز جماع الشر كله. لكن شخصيته مع ذلك كتاب مفتوح. فعلى مدى شهور حملته الانتخابية وشهوره في السلطة حتى اللحظة ظل حريصاً على أن يعرض أجندته على الشعب الإسرائيلي (والعالم) بمصارحة مدهشة. وعلى رأس هذه الأجندة المعلنة مشروع طموح للاستيطان يقوم على اجتذاب مليون يهودي من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية واستراليا للإقامة كمواطنين إسرائيليين في مستوطنات جديدة على الأراضي الفلسطينية. هذا تعهد انتخابي قطعه شارون على نفسه أمام جمهرة الناخبين الإسرائيليين. وما أن فاز بالسلطة حتى شرع في التنفيذ. هناك ستة آلاف وحدة سكنية يجري بناؤها على قدم وساق في الضفة وغزة. وقبل شهرين صادقت «بلدية القدس» على بناء 2800 منزل في «رأس العامود». وبعد ذلك بنحو شهر أعلنت وزارة الإسكان الإسرائيلية مناقصة لبناء 500 منزل في مستوطنة «معالي أدوميم» لتنضم الى 1600 منزل في المستوطنة استكمل بناؤها. في هذه الأثناء يجري على خط موازٍ تنفيذ برنامج لهدم منازل أسر فلسطينية في الضفة. ففي ابريل المنصرم وحده قام الجيش الاسرائيلي بهدم 25 منزلاً فلسطينياً وأصدر أوامر لهدم 19 منزلاً آخر في القدس الشرقية. والهدف هو الاستيلاء على مساحات جديدة للتوسع في المستوطنات اليهودية القائمة وبناء «طرق التفافية» بغرض حماية المستوطنات من ناحية وعزل القرى الفلسطينية من ناحية أخرى. وهكذا يتواصل تنفيذ أجندة شارون على الأرض... وهي أجندة ليس وارداً فيها على الإطلاق «استئناف المفاوضات» للتوصل الى حل سلمي. إن ما يلائم شارون حقاً ـ وهو ما يكرره يومياً على أسماع الفلسطينيين والعرب عامة والعالم ـ هو «وقف العنف» الفلسطيني حتى يحل مناخ سلمي تستطيع حكومة شارون أن تستثمره لتسريع إيقاع عملية بناء مستوطنات جديدة والتوسع في المستوطنات القائمة دون ازعاج. إن الانتفاضة، والانتفاضة وحدها، هي التي يمكن أن تنسف مشروع شارون الاستيطاني من أساسه. والدليل على ذلك أن مئات الوحدات السكنية التي استكمل بناؤها لا تزال خالية لأنه لا طلب عليها في ظل استمرار الانتفاضة الفلسطينية. فشارون هيأ للمهاجرين اليهود المسكن، لكنه لم يستطع أن يوفر لهم الأمن.