مبادئ التربية الأولى للإنسان تظل ساكنة في داخله وتبرز في لحظات معينة على الرغم من المحاولات التي تُبذل لتغييرها تحت ضغط الظروف وتقديم المصالح الخاصة على كل شيء، لأن الكامن في النفس هو الأساس مهما كانت طاقة الإنسان كبيرة على إخفائه، لأنه عند أدنى تبدل في الظروف المحيطة ينكمش المظهر الخارجي الذي يحاول الإنسان تربيته في داخله لإظهاره أمام أعين الناس وليخفي به الداخلي الساكن الذي جاء مع بذرة التكوين الأولى، ينطلق الداخلي الساكن من عقاله معلنا عن جوهر هذا الفرد. ربما يكون رد الفعل الكاشف عن الجوهر الأساسي مقبولا عند الناس من الإفراد عندما يمثلون أنفسهم، أو يمثلون مصالحهم الخاصة، ولكن مثل ردة الفعل تلك تكشف عن جوهر مخالف للمظهر تصبح مرفوضة لو تعلق هذا بشخصية عامة تمثل غيرها، وتصرفاتها محسوبة على الآخرين قبل أن تكون محسوبة على هذا الفرد، فالسياسي الذي لا يؤمن بالديمقراطية لكنه يجد نفسه مجبرا على قبولها كنظام ليحقق طموحه الشخصي في تبوء مكانة عامة، يمكنه القبول بقواعد اللعبة في تلك الديمقراطية كمظهر، وإخفاء جوهره الحقيقي للتعامل الخاص بعيدا عن الأعين، وهؤلاء ما أكثرهم في الحياة العامة اليوم، خاصة في الدول حديثة العهد بذلك النظام الغربي في الحكم وتبادل السلطة والذي يقول الفلاسفة المعاصرون بأنه اقل أنظمة الحكم القائمة سوءا. قواعد اللعبة لذلك من حين لآخر نعيش لحظات نكتشف فيها شخصية السياسي الذي يرفع الديمقراطية شعارا، ويلعب دوره في إطار قواعدها إلى أن تأتي لحظة تجبره على كشف جوهره، والإعلان عنه ولو للحظات قليلة. وقبل قليل شاهدنا مواقف كشفت عن جوهر شخصية سياسية من المفترض أنها تنتمي إلى نظام ديمقراطي، وان كان تاريخ تلك الشخصية ملئ بما يشي، بل ويكشف بوضوح عن أنها قبلت قواعد تلك الديمقراطية لأنها مجبرة على التعامل مع غيرها طموحا في الوصول إلى أعلى مرتبة سياسية ممكنة، وهي في هذه الحالة رئاسة الوزراء. هذه المشاهدة التي كان بطلها رئيس الوزارة الإسباني خوسيه ماري ازنار الذي يعرف الجميع فكره اليميني المنتمي في أصوله الأولى إلى فكر «الفلانخي» المعروفة التي كانت وراء وصول الجنرال فرانكو دكتاتور أسبانيا السابق الحكم عبر بحر من الدماء، وضد نتيجة الاستفتاء الشعبي الديمقراطي الذي صوتت فيه الجماهير بقبول نظام جمهوري مخالف لما كان يراه الجنرال والفكر النابع منه، والحزب الذي ينتمي إليه خوسيه ماريا أزنار أيضا يحمل هذا الفكر منذ أن أسسه «مانويل فراجا»، الوزير في عدة وزارات وحكومات حكمت إسبانيا في ظل الجنرال الراحل. وان لم يكن المشهد جديدا للكشف عن شخصية خوسيه ماريا ازنار لأنه حدث عدة مرات من قبل، ولأسباب داخلية ربما كان أوضحها كتابته مقالا يرفض فيه الدستور الوطني لبلاده لأنه يسمح بوصول أحزاب يسارية إلى الحكم، وعندما وصل هو إلى رئاسة الوزارة أعلن نفسه «مدافعا» عن ذلك الدستور، واتهم منافسيه بالعمل على تقويض هذا الدستور(!)، إلا أنه هذه المرة كان لافتا لأنظار المحللين السياسيين الدوليين، لأنه حدث في موقف كان طرفه أجنبيا عن إسبانيا وحزب رئيس الوزراء، ويتعلق بقضية دولية حساسة تهم إسبانيا كثيرا، لأنه موقف يمكن أن يتطور إلى ما هو ابعد من الكشف عن فكر شخصية سياسية تمارس الازدواجية لتحقيق أهدافها وطموحاتها الخاصة. تسجيل مواقف كان الطرف الآخر في هذا الموقف متمثلا في الحكومة المغربية التي لم تكن تهدف إلى أن يصل الأمر إلى هذه الحدة الكاشفة عن الهوية الفكرية الحقيقية لرئيس الوزراء الإسباني، بقدر ما كانت تدافع عن مصالحها الوطنية التي ترى أنها أحق وأولى بالرعاية من مجرد إرضاء زعيم سياسي أجنبي، أراد أن يفرض رأيا يؤدي إلى نتيجة معاكسة للمصالح الوطنية المغربية، ولا هدف من ورائه سوى تسجيل موقف يحسب له أمام ناخبيه. جاء هذا الموقف نتيجة لعدم التوصل إلى اتفاق يرضي الجانب الإسباني، بعد ما يقرب من عامين من المباحثات بين المغرب كطرف أصيل في حوار حول تجديد اتفاقيات الصيد التي تقف على طرفها الآخر إسبانيا، ليس طرفا أصيلا ولكن طرفا تابعا، لأن الطرف الأصيل في الحوار مع المغرب يمثله الاتحاد الأوروبي، وان كانت لإسبانيا مصلحة كبيرة في التوصل إلى حل لتلك المشكلة نظرا لاعتماد جزء كبير من أسطول صيدها على العمل في المياه الإقليمية المغربية، سواء لقربها من الموانئ الإسبانية أو لتوفرها على صيد أنواع معينة من الأسماك تجد رواجا لدى الجمهور الإسباني الذي يأتي بعد اليابان في حجم الاستهلاك. ما أن اعلن ممثل الاتحاد الأوروبي عن وقف هذه المباحثات مع حكومة المملكة المغربية متعللا بأنها ترفض تقديم تنازلات للتوصل لحلول وسط لتحقيق مناخ يسهل توقيع الاتفاق، حتى خرج رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا ازنار عن طوره وكشف عن جوهر فكره الخفي الذي يعود إلى فترة تكوينه في زمن الجنرال السابق، وهدد المغرب بإمكانية اتخاذ إجراءات خاصة يمكن أن تؤثر على مصالحه مع الاتحاد الاوروبي، وهي تصريحات أعقبتها تصريحات أخرى من نائب رئيس الوزراء الذي ينتمي إلى الحزب والفكر نفسه، حتى كاد البعض لا يصدق انه يستمع إلى سياسيين ينتميان إلى حزب في بلد يتخذ من الديمقراطية وقواعدها نظاما للتعامل. لم يكن وقع تلك التصريحات سيئا لدى الجانب المغربي، أو مثيرا للدهشة لدى المحللين والمراقبين السياسيين فحسب، بل كان مثيرا للدهشة لدى العديد من السياسيين الإسبان الديمقراطيين، مما أدى إلى موجة من الانتقاد الحاد الذي يرفض أن يصل التعامل إلى هذا الوضع من جانب الحكومة الإسبانية مع دولة صديقة ترتبط معها إسبانيا بعلاقات تاريخية. تعارض المصالح وربما تعدى الرفض السياسي المعارضة الداخلية في إسبانيا إلى الأحزاب التي تؤيد الحكومة دليلا على أن تلك التصريحات غير اللائقة التي صدرت عن رئيس الوزراء الإسباني ونائبه في حق الحكومة المغربية لم تكن مقبولة من أي ديمقراطي حقيقي يؤمن بالحوار ويرفض استخدام أدوات أخرى في التعبير غير الحوار. وبما أن تلك التصريحات كانت نابعة من عقلية تؤمن بالفعل بان هناك مستويات من التعامل في الحياة السياسية: القبول بالرأي الآخر إذا كانت فيه مصلحة ذاتية حتى لو تعارضت مع المصالح الوطنية، وأمثلة ذلك التبريرات غير المقبولة لتأييد خوسيه ماريا ازنار نفسه لخطط الولايات المتحدة في بناء شبكة الصواريخ برغم ما تنطوي عليه من مخاطر عودة الحرب الباردة من جديد، أو الاستجابة لطلب إسرائيل بالإفراج عن هارب من العدالة لمجرد أنه يهودي، ومن ناحية أخرى التعامل من منطلق العنجهية وتضخم الذات في مواجهة من ليس هناك مصلحة شخصية في التعامل معهم كما حدث في الموقف مع المغرب. تعامل الحكومة المغربية بهدوء وحكمة مع ردة الفعل غير المقبولة من جانب رئيس الوزراء الإسباني ونائبه، وكذلك ردة الفعل الغاضبة من جانب العديد من السياسيين الوطنيين في إسبانيا أعادت خوسيه ماريا ازنار ونائبه إلى صوابهما، وسرعان ما انسحبا إلى داخل نفسيهما لإخفاء ما انطوى عليه فكر تكونهما الأول، واصبح من غير المقبول الإعلان عنه الآن في ظل قواعد يمكن أن تؤثر على تحقيقهما لمصالحهما الخاصة. فرئيس الوزراء لا يزال يحلم بتحقيق نصر سياسي يحسب له في تاريخه لم يحققه سابقه رئيس الوزراء الاشتراكي السابق فيليبي جونثالث، والذي لا يزال يمثل تحديا له على الرغم من خروجه من السياسة النشطة قبل ستة أعوام. أما نائب رئيس الوزراء لا يزال يطمح في أن يكون المرشح القادم لحزبه عندما يعلن رئيسه عزوفه عن التقدم لفترة ثالثة، يراها البعض صعبة التحقيق، نظرا للأخطاء المتراكمة التي ارتكبتها حكومته خلال العام الماضي وانتهاء فترة الازدهار الاقتصادي التي حاول أن ينسبها إلى سياسته، وكشف الواقع أنها لم تكن سوى نتيجة لفترة ازدهار عام في أوروبا انحسرت موجتها. روابط كثيرة ولم يحاول رئيس الوزراء الإسباني ونائبه الانتباه إلى أن إسبانيا قد تكون شريكا مفضلا للمغرب في العديد من النواحي، وبشكل خاص في المجال الاقتصادي، ولكن تظل فرنسا الشريك الأول في هذا المجال ومجالات أخرى، بحكم روابط كثيرة ربما أهمها الرابط الثقافي الذي لا يزال يربط المغاربة بفرنسا بقوة رغم الماضي الاستعماري لهذه الأخيرة هناك. وفشل المفاوضات لم يكن يعني للمغرب عقبة في تعاملها مع الاتحاد الأوروبي، لأنها تضمن الدعم الفرنسي عند الحاجة إليه في أي تعامل مستقبلي مع بروكسل، والمغرب لم تفكر لحظة في أن توافق على اتفاق صيد لمجرد إرضاء طرف مستفيد مثل إسبانيا دون إن تحقق من وراء الاتفاق مصلحة وطنية. لو أن رئيس الوزراء الإسباني ونائبه كانا يؤمنان حقيقة بالعمل الديمقراطي لتقبلا النتيجة التي وصلت إليها المفاوضات مع المغرب بروح «ديمقراطية»، وتعاملا معها على أنها «لا تزيد عن أزمة سمك» وبذلا مجهودات خاصة لدفع العلاقات بين الجانبين لبدء سياسة ثنائية بعيدا عن الاتحاد الأوروبي لإعادة المفاوضين إلى الطاولة على أسس جديدة. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا