الأسباب التي تكدر صفونا، وتقلب مزاجنا، وقد تتسبب في تعاسة المحيطين بنا كثيرة ومتجددة ولا تنتهي ولكنها ايضاً لا تعدو ان تكون تافهة جداً في معظم الأوقات. يثور الرجل في وجه زوجته وأولاده متعللاً بأسباب لا معنى لها فقط لان مديره وبخه بعبارة قاسية، او لان نظام المرور في الشارع كان لا يطاق اثناء عودته المسائية للمنزل، فلا يلبث ان يفرغ احتقانه وغضبه المكبوت في صغاره الابرياء وزوجته التي لا ذنب لها. وتثور المرأة في وجه صغارها الذين تعاملهم بعنف لا مبرر له، فتضرب هذا وتدفع ذاك بعيداً، ويكون الغضب الاكبر من نصيب الخادمة التي سرعان ما تنفجر باكية، وحين تهدأ تكتشف هذه السيدة ان كل هذه الثورة لا داعي لها، وان السبب يعود «للخياطة» الحمقاء التي دمرت لها الثوب الثمين الذي كانت تحلم به لحفل زفاف شقيقها او صديقتها المقربة. المدير ينفجر في وجه موظفيه، والرجل يطلق زوجته، والاب يتعارك مع ابنه لدرجة القطيعة احياناً، والاصدقاء يفترقون وحتى العشاق والمحبين يدخلون الدائرة ذاتها، ويضيع منهم اجمل ما في الحياة لأسباب تافهة جداً لا يدركون مدى تفاهتها الا بعد فوات الاوان. كل هذه الحالات الطاغية من الغضب والعصبية تحولنا الى اشخاص غير قادرين على استيعاب الطوارئ والمطبات الحياتية المفاجئة، فنقع تحت تأثيراتها وبسهولة تامة نمنح انفسنا وأعصابنا لعجلة الظروف تفعل فعلها فينا، ثم نفاجأ بأننا تحولنا الى أشلاء وبأننا اضعنا اوقات كثيرة وجميلة من حياتنا في مناقشة التوافه، او السقوط تحت ضغوطاتها. ان مناقشة التوافه طيلة اليوم والقلق لأجل امور لا تستحق، ثم هذا التفكير المتوالي في المطلوب واللامهم، لا يحولنا الى عباقرة او عظماء، او سعداء، انه يحولنا الى طواحين هوائية تتحرك بسرعة البرق، بلا توقف، وبلا نتيجة ايضاً، فقلوبنا وعقولنا لا تطحن سوى نفسياتنا وأوقاتنا الجميلة وطاقاتنا الخلاقة في الابداع والعيش بجمالية وشفافية. ما الذي يدفعنا لهذا «الانطحان» اليومي، ولهذا التفتت؟ ثم ان هؤلاء الذين يعاشروننا ويحبوننا ويتحملون عصبيتنا اللامبررة، سيواجهون تلك اللحظة الحاسمة التي يسألون فيها انفسهم، ما الذي يجبرنا على معاشرة اناس مملوئين بكل هذه الرغبة في التحطيم والايذاء ببساطة ودون اسباب مفهومة او لأسباب لا تبدو قوية دائماً؟ وعندها قد نفقد من حياتنا اجمل التفاصيل دون امل في استعادتها ثانية. لقد صرخ احد القضاة ذات مرة: لقد فصلت في 40 الف قضية طلاق لأسباب تافهة، وانتهت حكايات عشق خرافية لأسباب مشابهة وخسر كثير من الناس حياتهم بسبب جرائم قتل حدثت لأسباب غير مفهومة، وعاش كثيرون حياة طويلة يتجرعون النكد والغصة لأنهم ابتلوا بأناس يدمنون فن (قتل الفرح وصناعة المنغصات). اذا ولى الفرح وضاعت السعادة، فلا شيء يمكن ان يعيدهما ابدا، كما انه لا شيء يستحق ان نضيعهما لأجله.