قيل له، تواءم مع الواقع، وتعلم كيف تتعايش مع من فرض وجوده عليك، بمنطق القوة القاهرة، وارض بما تسنح به الظروف، أو يمن به من انتزع ملكية ديارك، وسرق مفاتيح منازلك الباقية، بعد جولات السطو والتهديم، وانس ما قد جرى لعشيرتك من ذبح وتشريد، وانج بنفسك، وتسامح مع قاتلك، وإلا فستصبح إرهابياً تطارده لعنة كهنوت نظام الزيف والتضليل في نظام دولي، يرفض منطق حقوق الضعفاء، ويعلي من شأن إملاءات الأقوياء. وبحسن نية، وربما عن عجز، او بفعل التلقين المستمر، والترديد الذي لا ينقطع لمفردات ثقافة السلام وعصر السلام، حاول ان يتماشى، ويقنع نفسه، بإمكانية تحقيق المستحيل التاريخي، وتراءى له وهم المصالحة بين الذئب والحمل، طالما أن الذئب سيخلي سبيله بما حمل، من سرقة الأرض والسماء معاً، وليس مطلوباً منه سوى السماح للحمل بالعيش على تخوم حقوله كرمه ونخيله وبيارات برتقاله، دون ان يمني نفسه، او يجرؤ يوماً على ان يذوق ثمارها. وإثباتاً لقدرته على التواءم والتسامح، رضي بكل ما طلب منه ونفذ كل ما أملي عليه، وهو في وضع الانتظار لما يكافئه به الممسكون بخيوط القوة والقرار في عالمنا الجديد، وظن ـ وبعض الظن اثم ـ ان الوعود على كثرتها في طريقها الى التحقق، وانه بالغ بعد طول عناء شاطئ الأمان. ولأن قوة الحلم وسطوة الانبهار، بما تبثه منابر الاعلام الدولي، كانت أقوى من قدرته على الإنتباه لما يجري يومياً من طمس لمعالم وطنه المسلوب، وإعادة تسمية قراه وبلداته بأسماء اخترعها الغاصب، واستقاها من معجم الزيف الموروث عن أسلافه، لم ينتبه صاحبنا الى دوران عجلة الزمن، وهي تطحن يومياً مبررات وجوده، وتحيله الى مصير الأيتام على موائد اللئام، الذين يتقاسمون فيما بينهم ليس الإرث وحده، بل عظامهم حتى نخاعها. ومن فوهة الاحباط وتحت وطأة المعاناة اليومية، وإنكشاف الخدعة الكبرى، التي تمنحه الوهم مقابل المصادرة على الحياة، اندلع بركان الغضب، وانتفض الجسد المثقل بالجراح، بقوة الايمان التي لم تفارق روحه، وتكرر مشهد ثورة المصريين في شوارع القاهرة ضد جيوش فرنسا بقيودة الجنرال نابليون بونابرت، عندما دنست خيوله صحن الأزهر الشريف. فلقد فوجئ العالم بانتفاضة الفلسطينيين عندما دنس الارهابي شارون صحن المسجد الأقصى، وكافأه الصهاينة بمقعد رئيس الوزراء، ظناً منهم ان بإمكانه اطفاء نيران الغضب، وفرض منطق الاذعان للدبابة والقذائف المحرمة دولياً، واسكات صرخة العدل وطلب الحق، مثلما حدث عبر تاريخهم الارهابي، وخبراتهم السابقة. كاد منطق التواءم والتسامح مع القاتل ان يستعيد عافيته، لولا وقوع أصحابه في قدرهم المحتوم وارتكابهم الخطأ الفادح، الذي يفكك مخططهم ويقلب آثاره ويردها في نحرهم، عندما انساقوا برغبة متوحشة في مضاعفة ألوان القتل والعدوان، واستهدفوا برصاصهم حتى الرضع في المهد والمرأة العجوز القعود في بيتها، فكان استشهاد الطفلة ايمان حجو بنت الشهور الأربعة، قبل ان يلوث لسانها الطاهر مفردات مخادعة مخاتلة، تخبئ لنا الموت في عبارات منمقة عن السلام ورغم مأساة رحيلها، واغتيالها دون ذنب اقترفته، الا أنها ستظل شاهدة وتحذيراً أبدياً لنا.. حتى ننتبه قبل ان تفتك بنا شراك الموت الخداعية، الملفوفة بأوراق مملوءة بكلام كاذب عن السلام.. فإياكم والموت القادم داخل رسائل «السلام» الصهيوني.