انتهى شهر ابريل، وأوشك أن أقول وداعا لفصل الشتاء القاسي الذي قضيته في مدينة كيمبردج من ولاية ماساشوستس الأمريكية. قال لي الجميع أنه كان واحدا من أقسى فصول الشتاء التي عرفوها، وأكد المسنون أنهم لم يشهدوا منذ سنوات بعيدة كل هذا القدر من الجليد والعواصف الثلجية، أنا شخصيا لم أر عاصفة ثلجية من قبل إلا في أفلام السينما، وقد عانيت هذا الفصل أكثر من عاصفة، وعرفت معنى الثلوج الوحشية التي تطيح بكل شئ وتغمر كل شئ كالنصال الحادة. وظللت أسأل أصدقائي متى ينتهي هذا الشتاء اللعين؟! وكانوا يقولون لي: أصبر. فمع نهاية مارس يخف الأمر، ومع ابريل يختفي كل الجليد. ولا أذكر من هو ذلك الصديق الأمريكي الذي خدعني وقال لي إن الثالث عشر من ابريل هو النهاية الرسمية لفصل الثلج، ولن ترى نديف الثلوج القاسية بعد ذلك.. ورغم كل تأكيداته، فقد رأيت عكس ما توقع، وظللت أعاني المطر الفظيع في فترات استراحة الثلج، خصوصا أن اليوم الأول من شهر ابريل شهد مطرا لم أر مثله من قبل في حياتي بهذا القدر من الكثافة والاستمرار. أذكر أن أصدقائي حذروني في مساء اليوم الأخير من مارس، وقالوا إنك مسافر غدا صباحا الى فيلادلفيا لالقاء محاضرتك في جامعة بنسلفانيا، فمن الأفضل أن تطلب التاكسي قبل ساعات من موعد الطائرة، وذلك لتضمن وصولك الى المطار قبل موعد إقلاع الطائرة، وفعلت كما قالوا، واستغرقت الرحلة الى المطار ثلاثة أضعاف الوقت المعتاد بالسيارة بسبب المطر، ومع ذلك فإن السائق الذي كان يرى طريقه بالكاد من وراء مساحات الزجاج لم يكف عن المرح والضحك، ولم يتردد في السخرية من تأففي، وقال لي: المطر أفضل كثيرا من الثلج لأسباب كثيرة لم يشرح لي واحدة منها، ولم أرد عليه بشئ فقد كنت قلقا على موعد الطائرة، خائفا من الغاء الطيران. وعندما وصلنا الى المطار كان الكثير من الرحلات قد ألغي، وظلت الرحلة الى مطار فيلادلفيا كما هي لحسن الحظ بسبب أن الأوضاع الجوية أفضل فيها. في الشتاء الماضي، وفي كل مرة كنت أزور فيها إحدى الولايات الأخرى، أجد الطقس في الولايات التي زرتها أخف وطأة من الطقس في ولاية ماساشوستس. وكنت أشعر بما يشبه الحسد للولايات التي كنت أراها مستمتعة بدفء الشمس وحنو الطبيعة وأعود بعد كل سفرة الى مطار مدينة بوسطن، واركب التاكسي الى منزلي في مدينة كيمبردج الملاصقة، وأظل أقارن بين جهامة الطقس الذي يستقبلني وحنو الطقس الذي تركته، بل إنني أكثر من مرة تذكرت المشاهد التي أعرفها من الصحراء حيث الشمس الساطعة تغمر كل شئ والحرارة تحيط الانسان بما يشبه اللهيب. وكانت مثل هذه الذكريات تدفئني معنويا، خصوصا وأنا منكمش تحت حماية أطنان الملابس الشتوية ومسلح بحذاء ثقيل الوزن لمقاومة الثلج وما هو مثل الثلج. الحمد لله، اختفى ذلك كله الآن، وذهب فصل الشتاء بقسوته، وأخذت الأرض تستعيد خضرتها، وتصحو البراعم المتعددة الألوان على أغصان الأشجار، وتتثاءب النباتات وهي تنفض عنها ما اختزنته من برودة، مشرئبة بأعناقها الى الشمس التي بدت حنونة، ناعمة، تبعث الدفء في الأوصال التي أنهكها البرد طويلا، حدث كل ذلك تدريجيا دون أن أنتبه، لكن مع مرور الوقت اكتملت حرارة الشمس، وفرضت الخضرة نفسها على العين، واشتدت حرارة الشمس الناعمة في الخامس والعشرين من ابريل، فخرجت الفتيات في ملابس الصيف، وتخفف الشبان من ملابس الشتاء نهائيا، وظهرت الشورتات المتعددة الأحجام والأشكال، والقمصان الخفيفة، وظهرت السيقان البشرية تعلن عن وجود الفرح الوليد بالربيع. ونزلت الى أسفل المنزل لآخذ طريقي الى الجامعة، فوجدت الساحة التي تحيط بمساكن الجامعة التي أسكن فيها امتلأت بالورود الى جانب الخضرة، وافترش الطلاب والطالبات الأعشاب يتشمسون ويقرأون في الوقت نفسه. ومضيت في طريقي الى الجامعة لا أرى سوى الخضرة التي تفرض كل شئ والورود والأزهار التي أخذت تتفتح كابتسامة الفتيات التي ملأت كل شئ حولي مع الضحكات والانطلاقات العفوية البريئة. وكما أنعشتني الشمس الدافئة، وأبهجت صدري المشاهد التي شاهدتها، تداعت على ذاكرتي كل ذكريات الربيع والشمس الناعمة. اختفت بالتأكيد كل الذكريات القاسية عن شمس الصحراء العربية في أشهر الصيف، وقد عانيتها وعرفت قسوتها، واختفت كذلك ذكريات الشتاء، أو أعلنت عن رغبتها في الرحيل تحت وطأة الذكريات الجديدة للربيع، ولست أدري لماذا وسط هذا المكان الأجنبي، وبين كل هؤلاء الذين لا يعرفون العربية، وجدت نفسي أدندن بكلمات البحتري عن الربيع الذي أخذ يظهر، وتنوع ألوان الزهور والنباتات الوليدة، وأرى حركات العمال وهم يقومون باصلاح أجزاء النجيل التي أفسدها الجليد، ويحيطون الأشجار بنوع أحمر من التربة المخلوطة ببقايا نباتات مطحونة، وأتطلع الى الطالبات اللائي يجرين ضاحكات وأقول لنفسي إنه الربيع، وأعود الى الدندنة: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما وقد نبه النيروز في غسق الدجى أوائل ورد كُنّ بالأمس نُومَّا يفتقه برد الندى فكأنه يبثّ حديثا كان قبل مكتما ولم أستطع أن أذكر بقية الأبيات، ولم أجهد ذاكرتي في استحضارها، فقد اكتفيت بالربيع الطلق حولي، وفهمت معنى أن يختال الربيع ضاحكا من الحسن في أوجه الفتيات، وعلى امتداد أفرع الأشجار وأوراقها، ومع وجنات الزهور والورود التي تشرق بابتسامة الحسن الذي يتكلم. ولم أهتم كثيرا بثقل كلمة النيروز فقد شدني حديث الربيع للورود التي كانت نائمة وبدا لي هذا الحديث يتساقط على أوراقها الناعسة كقطرات الطلّ التي تغتسل بها الورود من نومها، ومررت دون اهتمام على البرد لأنه يذكرني بقسوة الثلج التي أريد أن أنساها، وحلمت بهذا الحديث الذي كان مكتوما مقموعا في الشتاء، وينطلق الآن مع ضحكات الأزهار في كل مكان. من أسف أننا في بلادنا لا نعرف فرحة الربيع كما يعرفها الجميع هنا، هذه الاحتفالية الجميلة التي تتجاوب فيها الطبيعة مع الانسان، ويتجاوب فيها الانسان مع جنائن الطبيعة التي صنعها على عينيه، هذه الاحتفالية الجميلة لا نعرفها لأن انساننا مطحون مسحوق تحت وطأة قيود ومشاكل كثيرة.. والطبيعة في بعض أقطارنا لا تجود علينا بهذا الربيع الذي يختال ضاحكا، ويدفعنا الى الفرح والبهجة، الربيع في مصر مثلا مقرون بالأتربة التي تهب من المقطم، والفصل الجميل في القاهرة هو فصل الخريف، لا الربيع، ولا أعرف منذ صغري عن الربيع إلا اقترانه بشم النسيم، وشم النسيم باقترانه بالبصل والفسيخ والبيض الملون، ولا أدري لماذا تكون احتفالياتنا دائما بالتهام الأكل؟! مؤكد أن هناك أماكن كثيرة في العالم العربي تعرف الطبيعة الجميلة، ومصر كذلك تعرف الطبيعة الخلابة في بعض مناطقها، ولكن من الذي يستمتع بذلك كله؟! أوقفت تدفق خواطري التأملية، وقلت لنفسي لا داعي لأفعال المساءلة النقضية في هذا اليوم البهيج، وردد بين نفسك كلمات الربيع الذي ينشر أرديته الزاهية على كل شئ في الكون، وأمرح في داخلك، ودع البهجة تسكن الأعماق، يحملها اليك شذى النبات وضحكات الطالبات والعيون الباسمة للأصدقاء، وقل: مرحبا للربيع الذي أقبل أخيرا بعد شوق طويل ، فالمؤكد أن الحسن لا يكتمل جماله إلا بمعاناة أضداده، وقد عانينا من نقيض الربيع الشتاء القاسي طويلا، ولذلك فجانب كبير من فرحتنا بمقدم الربيع هو فرحتنا بالخلاص من معاطف الشتاء الثقيلة، ومن الملابس الصوفية الداخلية المزعجة، ومن ثقل الحذاء الذي يشبه الدبابة الصغيرة، ومن عتمة الجو وغياب الضوء، ومن لسعات نديف الثلج وهو يقرص اللحم ويعض العظم، انتهى ذلك كله، ولم يعد سوى الربيع يختال ضاحكا.