ماذا يعتزم أن يفعل السيد الصادق المهدي الزعيم القومي السوداني خلال زيارته المزمعة لواشنطن؟ بينما يتأهب الصادق للزيارة وقع تطوران ذوا دلالة واحدة. أولاً، شن الرئيس جورج بوش هجوماً على السودان في إطار مسألة حقوق الإنسان. ثانياً، وفي الإطار نفسه، سخرت مستشارة الأمن القومي للرئيس الأمريكي من انتخاب السودان عضواً في اللجنة الدولية لحقوق الإنسان ـ ذلك الانتصار السوداني الذي تزامن مع إسقاط عضوية الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن. ودلالة هذين التطورين المتلازمين هي أن أحد الفريقين المتصارعين تجاه السودان داخل الولايات المتحدة قد سجل نصراً على الفريق الآخر... وهو في أغلب الاحتمالات نصر مؤقت على طريق تسلسل الصراع الذي قد يطول أمده. ولإدراك مغزى هذ النصر يجب أن نأخذ في الاعتبار حقيقتين: أولاً: المنبر الذي أطلق منه الرئيس بوش هجومه. لقد كان منبر هيئة التعاون الأمريكي اليهودي التي يطلق عليها اختصاراً «ايباك». وهذا يؤكد حقيقة التحالف بين اللوبي اليهودي ومنظمات اليمين المسيحي داخل الكونجرس لدعم «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق كتعبير لموقف مبدئي مناهض لكيان الثقافة الإسلامية العربية المتمثل في السودان الشمالي (وليس النظام الحاكم في الخرطوم تحديداً). ثانياً: تأكيد الانشقاق الحاصل داخل فريق إدارة بوش بين متشددين يخدمون أجندة تحالف اللوبي اليهودي المسيحي ومعتدلين يمثلون مصالح «لوبيات» أخرى في مقدمتها لوبي الشركات النفطية. والتصريح التهكمي نحو انتخاب السودان لعضوية اللجنة الدولية لحقوق الإنسان الذي أدلت به السيدة كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي يعكس موقف الفريق المتشدد الذي يضم أيضاً وزير الدفاع رونالد رمزفيلد. أما الفريق الآخر فيقوده فيما يبدو وزير الخارجية كولن باول. والقضية التي يجب أن تستأثر بالأولوية الأولى للسيد الصادق في زيارته المرتقبة هي غياب طرف سوداني فاعل يساند اللوبي المعتدل في مواجهة اللوبي الصهيوني المسيحي ومعه حركة قرنق. اللوبي اليهودي المسيحي ومعه الفريق المتشدد داخل إدارة بوش يعرض، بأساليب العلاقات العامة الخادعة، «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وكأنها تمثل شعب جنوب السودان بأكمله مع أنها وفقاً للواقع المرئي لا تمثل إلا قبيلة واحدة ـ الدينكا. وعلى هذا الأساس يمارس اللوبي دعاية تبريرية مرتكزها استقطاب الدعم العسكري للحركة وقواتها مصوراً الحرب وكأنها بالنسبة إلى شعب الجنوب حرب دفاع عن النفس في وجه استعمار شمالي ذي طبيعة إسلامية عربية علماً بأن الحرب مفروضة على الشمال فرضاً. ويستغل اللوبي اليهودي المسيحي ارتباط حركة قرنق به باستخدام عناصر جنوبية في حملاته واتصالاته داخل الولايات المتحدة «لإثبات» دعاوى للإساءة إلى الشمال السوداني مثل فرية تجارة الرقيق. وإذا كان المفترض أن الهدف الذي يعتزم أن يحققه السيد الصادق من زيارته هو دحض الأكاذيب وإحباط الدعاية المغرضة سعياً إلى وقف الحرب في الجنوب فإنه يجب أن يتحدث بصفة قومية لا حزبية... أن يتحدث باسم الشمال كله. وفي هذا السياق فإن المطلوب عملياً من السيد الصادق هو إرساء الأسس لوجود سياسي شمالي ينضم إلى اللوبي النفطي وفريقه الاعتدالي داخل إدارة بوش من أجل مساجلة اللوبي اليهودي المسيحي. لكن نجاح هذا المسعى يبقى رهيناً، كما ذكر، بالأسلوب الذي يعرض به الصادق نفسه على الساحة الأمريكية. إن للصادق، باعتباره ممثل أكبر قوة سياسية في السودان، أوراق اعتماد قومية. وهذه هي الأوراق التي يجب أن يبرزها فور أن تطأ قدماه الأرض الأمريكية.