يكمن السر في ظاهرة محورية تحكم سلوك الصين وتوصف منظومة البامبو أو شبكة الخيزران في أطروحة المفكر الأمريكي الشهير صمويل هنتنغتون عن تصادم الحضارات (تتجلى مقولة) الصين ، التي تبحث عن دور في جنوب شرقي أسيا وفي شرقها الأقصى ويتجسد هذا الدور في نظرية (الصين الكبرى ومجالها الحيوي وفي هذا السياق، وتحت عنوان (الصين الكبرى ونطاق الشراكة من أجل الرخاء) يكتب الاستاذ (هنتنغتون) قائلا: خلال عقد الخمسينيات كانت الصين تعرف نفسها بوصفها حليفا للإتحاد السوفييتي.. لكن بعد الإنقسام (الخلاف الإنفصام) الصيني ـ السوفييتي (في أواخر الخمسينيات) تحولت الصين لترى نفسها زعيمة العالم الثالث في مواجهة كلتا القوتين العظميين روسيا وأمريكا.. ولكن بعد التحول في سياسة نيكسون تجاه (التقارب) مع الصين خلال السبعينات سعت الصين لكي تكون الطرف الثالث في لعبة توازن عالمي للقوى مع القوتين المذكورتين فكانت أقرب إلى أمريكا في السبعينات عندما بدت واشنطن ضعيفة ومن ثم تحولت الصين إلى موقف أكثر توازنا في الثمانينات في ضوء زيادة القوة العسكرية الأمريكية من جهة وإنهيار الإتحاد السوفييتي اقتصاديا من جهة أخرى فضلا عن تورط في مستنقع الحرب في أفغانستان. الورقة الصينية بعد ذلك يصل المفكر الأمريكي إلى نتيجة ما برحت في رأينا محل جدل ومثال خلاف حين يقول: ومع نهاية المنافسة بين أعظم قوتين في الشرق وفي الغرب فقدت (الورقة الصينية) قيمتها واضطرت الصين إلى اعادة تعريف دورها من جديد في حلبة الشئون العالمية مع ذلك فنحن نوافق هنتنغتون حين يقول: ان الصين رسمت لنفسها هدفين: ـ ان تصبح الداعية الأول والأهم للثقافة الصينية بحيث تصبح قطبا جاذبا لكل التجمعات ذات الأصل الصيني. ـ ان تستأنف دورها التاريخي الذي كانت قد فقدته في القرن التاسع عشر ومؤداة ان تصبح الصين القوة المهيمنة في شرقي أسيا ولان الصين مجتمع منضبط التنظيم، ولانها من ثم حققت كما هو ثابت في المراجع والحوليات الإنمائية الدولية معدلات مرموقة في النمو والتنمية الاقتصادية على وجه الخصوص، ولانها دللت على امتلاكها قاعدة محدثة ودينامية ومتطورة في مجالات العلم النظري والتكنولوجيا التطبيقية يشهد بهذا وصولا إلى تفجير الطاقة النووية مسجدة في دخولها نادى الكبار من حائزي السلاح الذري لهذا كله جاز ان تؤخذ طموحات الصين على محمل الجد الشديد والاهتمام العميق. حلم الصين الكبرى وفي ضوء ما سبق يقول صاحب نظرية (تصادم الحضارات) ان فكرة (الصين الكبرى) لا تشكل مفهوما مجردا أو بسيطا ولكنه حقيقة ثقافية واقتصادية تنمو وتتطور بسرعة لكي تتحول من ثم إلى حقيقة سياسية راسخة الجذور. ونحن من منظورنا العربي نفهم هذه المقولات الأمريكية، لا بوصفها تصدق على الصين الدولية التي تتخذ عاصمتها في بجين وحسب، ولكن نفهمها على انها تصدق على سائر المجتمعات والجاليات والتجمعات ذات الأصول الصينية المنتشرة في انحاء شتى من العالم. وبالذات في شرق وجنوب شرق أسيا ان احصاءات عقد التسعينات تشهد بقدرة على النمو والإنتاج ودينامية النشاط بصورة ملحوظة بين صفوف تلك التجمعات ذات الجذور الصينية. وخذ مثلا: وقتما كان الصينيون لا يشكلون سوى واحد في المئة فقط من مجموع بلد مثل الفلبين لكنهم كما دلت الاحصاءات الدولية كانوا مسئولين عن تحقيق نسبة 35 في المئة من مبيعات المصانع المملوكة محليا في ذلك البلد الآسيوي،وقتما أيضا، كان الصينيون يشكلون في اندونيسيا نسبة ضئيلة تتراوح بين 2و3 في المئة من مجموع السكان ولكنهم كانوا يمتلكون نسبة 70 في المئة تقريبا من رأس مال القطاع الخاص الفائض الحيوية في اندونيسيا. وقتما كانت الجالية الصينية تمثل 10 في المئة من مجموع سكان تايلاند ولكن عمداءها كانوا يملكون تسعا من أكبر عشر مجموعات اقتصادية مالية ومن ثم كان سكان تايلاند المنحدرون من أصول صينية مسئولين عن تحقيق نسبة 50 في المئة بالتمام والكمال من الناتج القومي الإجمالي في تايلاند. وقتما كذلك كان الصينيون يشكلون ثلث السكان في ماليزيا ولكنهم كانوا ولايزالون مسيطرين على مقاليد الاقتصاد هناك. ما سر هذا كله؟ منظومة البامبو يكمن السر عند البروفيسور صمويل هنتنغتون في ظاهرة محورية تحكم سلوك الصينيين وتصفها عبارة مهمة تقول: منظومة البامبو.. بمعنى.. شبكة الخيزران وترجمتها تتمثل في شبكة العلاقات المتضافرة والموروث الثقافي المشترك ومنظومة الوشائج العائلية من صلات الرحم والمصاهرات والصداقات وما إليها. وكلها تفضي إلى أساليب فريدة في ممارسة التجارة والشراكة والأعمال (البيزنس) أساليب تستند في الأساس إلى قوة الوعد وعمق الإلتزام وشرف الكلمة (بمعنى التعهد التجاري وليس بالمعنى الاخلاقي أو الرومانسي المطلق ) ومسئولية العلاقات الشخصية وشراكة المصالح العائلية. كل هذا يحتل مكانة الأولوية في سلم الإلتزامات والتعاقدات والتعهدات وهى بهذا تسبق الصكوك ذات الحجية القانونية أو العقود المكتوبة الحافلة بالشروط والبنود وخطوط التقاضي وسبل المنازعات وما إلى ذلك تلك في مجملها نظرة إيجابية ـ كما رأينا إلى الصين بوصفها إحدى الحقائق الراسخة الكبيرة في عالم اليوم.. فضلا عن ان هذه الحقيقة تتطلع إلى تطوير نفسها إلى حيث ترسى دعائم ما يصفه أصحابها بأنها (صين كبرى) تمارس دور القوة الإقليمية الأعظم وتحتل مكانتها. نظرة من الجانب الآخر ثمة نظرة مغايرة أخرى بل هى نظرة مناقضة ان شئت التعبير ويقول بها نفر من علماء السياسة في الغرب وهى تطل على الحقيقة الصينية من منظور يكاد يستهين بالصين ويرفض التخويف بها أو التسخيف فائق الحساسية لآفاق مستقبلها مع سنوات القرن الجديد. ها هو البروفيسور جيرالد سيجال وهو من علماء المستقبليات ويتولى منصب مدير البحوث في المعهد الدولى للدراسات الإستراتيجية في لندن يطلع على المحللين والمهتمين بالظاهرة الصينية بدراسة ذات توجه غريب كما نراها وذات إيقاع فريد أيضا: الدراسة المسهبة منشورة في عدد سابق لمجلة (الشئون الخارجية (فورين افيرز، عدد أكتوبر 1999) ويشير عنوانها بمحض صياغته إلى المنظور الذي يطل منه المؤلف على موضوعه فالعنوان يطرح سؤالا غريبا يقول: هل للصين أهمية؟ صحيح انها تضم عشرين في المئة، باسم الله ما شاء الله ـ من سكان الكرة الأرضية لكن الباحث الإنجليزي الكبير يشكك في قدراتها الاقتصادية بل في البيانات التي تصدرها حكومتها. رغم ان البنك الدولي بجلالة قدره اعلن عن ثقته في تلك البيانات واعتماده عليها، وهو يرجع نجاحاتها الاقتصادية إلى عوامل غير هيكلية مثل الانفاق الحكومي الكثيف على البنية الأساسية ومثل تحويل الفلاحين من العمل في الأرض إلى العمل في المدن حيث الإنتاجية عالية وهو يدلل على ما ذهب إليه عندما يحيل إلى الأرقام التي شهدت بان الصين لم تشكل سوى 3 في المئة من التجارة العالمية عام 1997 وكانت بهذا توازي كوريا الجنوبية وتقل عن بلد صغير مثل هولندا والصين لا تشكل سوى 11 في المئة من مجموع التجارة الآسيوية بل ان السوق الصينية موضع مبالغة في حجمها وقدرتها الاستيعابية حيث لم تستورد سوى 1 في المئة من الصادرات الأمريكية. أوضاع السوق الصينية وليس هنا مجال دحض هذه المقولات وان كنا نوافق على سلامة الاحصاءات وموثوقيتها فإنها عرضة مثل أي احصاءات لتفسيرات مختلفة.. وربما كانت الصين مثلا حريصة على اشباع احتياجات مئات الملايين من سكانها قبل ان تشارك بالإستيراد والتصدير في مجمل التجارة الدولية.. وبل إن ضآلة الواردات الأمريكية التي دخلت إلى سوق الصين تشهد في حوذاتها بان بجين تحاول ان تكتفي بذاتها أو تحاول تنويع وارداتها أو تحاول ان تحد من هذه الواردات لصالح اقتصادها الذي يتعين عليه ممارسة نوع من التقشف الواجب إزاء ما يتحمله إزاء الحجم السكاني الرهيب من تبعات، تأمل مثلا بلدان نامية أخرى بعضها للأسف في وطننا العربي وقد اختلت موازينها التجارية وأصيبت اقتصاداتها بعلل شتى بسبب التوسع غير الرشيد في الواردات والإنكماش في الصادرات سواء بسبب ضعف الإنتاجية أو بسبب إنخفاض النوعية وقصور المنافسة ويدحض مقولات الاستاذ البريطاني حقيقة ان أمريكا ما برحت تخطب ود الصين و غير بعيد ان تنازلت إدارة كلينتون السابقة عن دعاوى هجومها على أوضاع حقوق الإنسان في الصين ويومها لاحظ المراقبون ان واشنطن عمدت إلى ممالأة أو مجاراة بجين تطلعا إلى ما تعد به السوق الصينية من آفاق من حيث الاستيراد والتصدير. من الناحية العسكرية يعمد الأستاذ جيرالد سيجال إلى التهوين من شأن الصين حين يقول انها تعد قوة عسكرية من الدرجة الثانية فهى لا تشكل سوى 4.5 في المئة من الانفاق العالمي لأغراض الدفاع، أين هى من بلد مثل أمريكا ينفق على الدفاع نحو 40 في المئة من الإنفاق العالمي (ومن المقرر ان تزيد هذه النسبة زيادة أكثر من ملموسة في ضوء الاستراتيجية الأمريكية التي رسمتها السيدة كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس بوش لشئون الأمن القومي) وفي هذا الصدد يضيف الباحث المذكور ستظل الصين بعيدة عن ان تشكل قوة عسكرية يعتد بها شريطة ان تظل خاضعة من جانب أمريكا (وحلفائها) إلى سياسة الاحتواء المعروفة (ولعل هذا يتضح فيما عمدت إليه السياسة الأمريكية مؤخرا من بيع معدات عسكرية سوبر متقدمة إلى تايوان لزوم الأمعان في سياسة احتواء الصين). عاملوها كالهند والبرازيل ليس معنى هذا ان المفكر السياسي البريطاني يدعو إلى صرف النظر عن الصين أو إلى شطبها أو حذفها من قائمة الاهتمام الدولي انه بالأحرى يدعو إلى عدم المبالغة في أهميتها (وكانت دعوته حتى لا ننسى قبل المواجهة المثيرة التي وقعت مؤخرا بين أمريكا والصين) وفي هذا المضمار يقول الاستاذ سيجال: سيظل الغرب مفتقرا إلى سياسة متجانسة في شرق آسيا ما لم يضع الصين في حجمها الطبيعي أو الحقيقي ويعاملها من ثم كما يعامل بلدانا في حجم الهند أو البرازيل لا أكثر ولا أقل.. (بمعنى انها ليست بالقوة أو الدولة العظمى بل هى في رأيه أقرب إلى القوة أو الدولة المتوسطة القيمة). وبين رأي هنتنغتون في هارفارد الذي يتحدث عن (صين عظمى) أو (صين كبرى) ورأى سيجال في لندن الذي يتحدث عن صين متوسطة القيمة.. صين لا عظمى كما قد نصفها نرى من المحليين الأمريكيين من يطل على الصين من منظور أهم وأكثر حداثة وأشد ارتباطا بما عسى ان يحمله المستقبل من توقعات وتطورات. ها هى الكاتبة الأمريكية (فلورا لويس) وهى أقرب إلى صفوف اليمين الأمريكي المحافظ والمتشدد تخرج من متابعتها حادثة طائرة التجسس الأمريكية وملابساته فتعمد إلى التنبيه إلى أثر هذا الحادث على الشباب الصيني وهم بالطبع زعماء المستقبل في بجين ومعهم سوف تتعامل الأجيال القادمة من الساسة والاقتصاديين.. ناهيك عن المخططين والقادة العسكريين من أبناء الجيل القادم في أمريكا. الفراغ العقائدي فلورا لويس كتبت مقالا نشرته جريدة (هيرالد تربيون) (الطبعة الأولى بتاريخ 20/4/2000) وحذرت فيه من ان الشباب الصيني بات يعاني اليوم من فراغ أيديولوجي (بعد تصدع النظريات الشيوعية.. الماركسية وطبعتها الصينينة الماوية على السواء).. وهى تحذر من ان مثل هذه المواجهات بين الصين وأمريكا. وخاصة بعد كشف عمليات التجسس الأجنبي على أرض وسموات ومقدرات الصين، كل هذا من شأنه ان يثير كوامن ما تصفه الكاتبه الأمريكية بأنه النزاعات القومية الوطنية في نفوس الشباب الصيني الذي يعانيه وتحل بالتالي محل العقائد الماركسية الشيوعية التي نشأت عليها أجيال المخضرمين التي سبقت على الطريق. هذه الأجيال الصينية يضيف الكاتب الأمريكي كريج سميت في مقاله أخرى (هيرالد تربيون في 25/4/2001) يزداد تشككها ويتعمق صفقها أو سخطها على الولايات المتحدة إبتداء من حادثة قصف الطائرات الأمريكية سفارة الصين في بلغراد اليوغسلافية.. ثم جاءت حادثة طائرة التجسس لترسم لأمريكا كما يضيف كريج سميت صورة غاية في السلبية في عيون شباب وطلاب الصين، صورة الدولة الخطرة الشغوفة بالهيمنة والسيطرة حيث تنصرف حكومتها بأسلوب يفتقر إلى المعقولية وينتزع إلى العنجهية والغرور على حد تعبير من التقاهم الكاتب الأمريكي في شنغهاي. نصيحة للرئيس بوش في ضوء ما سبق كله تخلص الاستاذه فلورا لويس إلى تحذير الرئيس الأمريكي بوش فتقول لقد أسرف سلفك كلينتون عندما طالبت بما وصفه بأنه شراكة استراتيجية على الصين ولكن من الخطأ أيضا ما يرد على لسانك من وصف علاقة أمريكا بالصين بعبارة المنافس (أو الغريم) الاستراتيجي.. فالسؤال هو: منافسة على ماذا؟ وهل من أجل أي هدف؟ تخلص فلورا لويس إلى القول: ان الهدف الأكثر رشدا وتعقلا هو البحث عن سبل تفضي إلى تحقيق مصالح للطرفين على السواء. ـ كاتب سياسي من مصر