هناك من يقف بشدة في وجه الحديث الصريح والعلني حول سياسات الاحلال، ومعوقات توطين الوظائف، وتلكؤ مسيرة القضاء على بطالة المواطنين الشباب، ولا أدري حقيقة مدى حجم هؤلاء، ومدى قوتهم ونفوذهم، ولكنني أسمع عبارة ان هذا الحديث يضر بمصالح البعض، ويثير استياء البعض الآخر من المسئولين وغير المسئولين ممن يشار اليهم بالمسئولية المباشرة عن هذا الوضع السيئ فيما يتعلق بسياسات التوطين! وبصراحة شديدة فإن احداً من ابناء هذا الوطن ومن المنتمين اليه ـ أرضاً وانساناً ـ لا يمكنهم ان يكونوا مستائين لمناقشة قضية تصب في صالح الوطن، إلا اذا عظمت مصالحهم في أعينهم وصارت مصلحة الوطن في المرتبة الاخيرة!. ثم ان الكاتب والصحفي ومعد ومقدم البرامج التلفزيونية والاذاعية، حينما يفتحون مثل هذه المواضيع الوطنية للنقاش، وحينما يجعلون نقاشهم مشرعاً على الصراحة وحقائق الواقع واثباتات الارقام، فإنهم يفعلون ذلك حرصاً وليس ادعاء أو تنفعاً، وهم يعلمون انهم يثيرون غضب البعض واستياءهم، لكنهم في الوقت نفسه موقنون بأن مهمتهم لا تنحصر في ارضاء البعض او اغضاب البعض الآخر، بقدر ما ترمي الى تسليط الضوء على أماكن الاشكاليات لعلاجها من أجل صالح الوطن وخير أفراده. ان الواقع يقول بشكل رقمي ـ وليس عاطفياً او ادعائياً ـ بأن البطالة متفشية فعلاً بين أعداد كبيرة من الشباب المواطن، وبأن هيئة «تنمية» وحدها تسلمت حتى الآن ما يفوق الـ (900) طلب توظيف لشباب وشابات من حملة الشهادات المتوسطة والعليا ومنهم حملة شهادات الماجستير والدكتوراه كما نشرت احدى الصحف! احدى امارات الدولة أحصيت عدد وظائفها وموظفيها، فوجد ان العدد يبلغ 46.000 (ستة وأربعون ألف) وظيفة حكومية، فما الجواب اذا علمنا ان من بين هذا الجيش الجرار من الموظفين هناك (6000) وظيفة فقط يشغلها مواطنون اي ما نسبته 13%!! ولندقق بشيء من اليقظة والانصاف لنرى صحة هذه الارقام على الواقع الذي نتحرك في اطاره لنعرف بأننا لسنا ضد أحد ولكن من حقنا ان نكون مع أنفسنا. مقدم برنامج «اشارات» من قناة «الامارات» بأبوظبي سأل ليلة أمس باخلاص: لماذا لا يتم توظيف الشباب المواطن في وظائف يحملون مؤهلاتها ويشغلها في الواقع أناس غير مواطنين بينما يتركون هم يعانون من البطالة؟ وسأل ايضاً: لماذا لا تستوعب طاقات الشباب من حملة الماجستير والدكتوراه في وظائف لائقة؟ وسأل: ما هو الحل؟ ونحن معه وقبله وبعده نطرح ذات الأسئلة على من لديهم الاجابة وفي ايديهم القرار؟ نطرح الأسئلة لنعرف الاجابة ونغير الوضع لا لنحاكم أحداً أو نلقي بالاتهام على أحد فهذه ليست مسئوليتنا. نحن نعلم ان هناك من يوظف في وظائف الدولة بطرق ملتوية نعرفها جميعاً، وقد يكون هؤلاء من غير أصحاب الكفاءة او الأهلية او الاختصاص، فتكون النتيجة تسرب أعداد كبيرة من المواطنين ممن يعملون في ادارات أو أقسام يترأسها مثل هؤلاء، هذا أحد أسباب البطالة بين المواطنين، انها بيئة او مناخ العمل الطارد للكفاءات والعقول المبدعة او المخلصة التي تحارب من قبل جماعات المصالح و(لوبيات) الجنسيات المختلفة، وقلة دراية المسئول بآليات استيعاب العمل وتوجيهه، فيتحول الى وسيلة تدمير و(تطفيش) للشباب بدل دفعهم للعمل والانتاج. وللمسألة جذور وأسباب سنتحدث عنها بالتأكيد دون ان نهدف الى اغضاب احد او الاساءة الى أحد!