يُقلق الشاعر العربي الخليجي بدوي الاصل والملامح ان يتهم بأنه بلا تاريخ وبلا ملامح وبلا عمق ضارب في أرض الجزيرة العربية ويمضّه ويَقُضُّ مضجعه ان يسمع همساً دائراً من بعض من لا يعرف الحقائق، او ممن يزورها بأنه ليس شيئاً لولا النفط وانه لم يكن شيئاً قبل هذا الزيت الاسود لذلك ذهب كثير من شعراء الجزيرة العربية يدفعون هذا الافتراء عنهم ويؤكدون وجودهم واصالتهم وبقاءهم قبل النفط وبعده في هذه الارض وان النفط ما هو الا نعمة مسداة من قِبل الخالق العظيم وان النفط لا يخلق انساناً ولا يغرس فيه سماتٍ ولا اخلاقاً أما الانسان العربي في الجزيرة فباقٍ بقاء الارض له سماته واخلاقه واحلامه وطموحاته وآماله وآلامه. ومن اولئك الشعراء العرب الاقحاح الصرحاء الذين استشعروا ذلك الهمس الواهِن والتهمة الجاهلة الشاعر العربي السعودي عبدالعزيز العجلان في قصيدته الموسومة بعنوانها «ملامح بدوي عتيق» التي مطلعها: أنا هنا قبل بئر النفط كنت هنا قبل البدايات قبل الريح والحِقَبِ والشاعر من مطلع قصيدته يؤكد تلك الهوية التي يحاول أن يطمسها المغرضون وتَجْهَدُ ريح التغيير والتغيُّر والعولمة في محو ملامحها وسماتها. ويبدو أن الشاعر تنبه الى ناحية مهمة من نواحي الشاعرية التي يفتقدها كثير من اللاهثين وراء الشعر ثم لا يدركونها تلك هي البعد عن الخطابية والمباشرة واللّهجة والمنبرية في الطرح واختيار اسلوب التصوير والتلبُّس بالخيال عوضا عن اختيار منهج المحاورة والمناطحة ودفع الحجة بالحجة مدركاً ان ذلك لا يصلح للشعر، فالشعر تصوير وخيال وعَاطفة وفكرة والفكرةُ لولا تغليفها بكل ذلك لكانت جافة ممجوجة مستكرهة. ولم يأت تناول شاعرنا السعودي عبدالعزيز العجلان للفكرة الاساسية للقصيدة تناولاً معتاداً مطروقاً يركز ككثير من الذين طرقوا هذه الفكرة على ذكر ذلك الضّنى والجهد والفقر والجوع والأعمال المضنية التي كان يكابدها أهل الجزيرة والخليج قبل ظهور النفط في سبيل لقمة العيش بل آثر ابراز الفكرة وتحديدها بأسلوب أكثر إنسانية وأكثر أبعادا وذلك بايراد صور مغرقة في ارتباط الإنسان العربي والبدوي العربي خاصة في هذه المنطقة ببيئته العربية سماء بما فيها من نجوم معلقة بقلبه وشمسا ووهجا وريحا وغيما وأرضاً بما فيها من دروب مقفرة ومفازات خرساء موحشة وجبالا شامخة وخياما مضروبة في الأرض بل ذهب إلى أبعد من ذلك إلى ما لا يدرك إلا بالقلب والروح كالأحلام والمواعيد التي كانت تداعب روح العربي فقال: أنا هنا قبل بئر النفط كنت هنا قبل البدايات قبل الريح والحقب أطوي المدى وجراحاتي مضمدة بالاقحوان ونبض الرمل في هدبي ونجمة الصبح في قلبي معلقة زهو الرحيل وميعادا لمغترب أنى استدرت تلقاني المدى ظللا وأومأت غيمة للظامئ اقترب أطوي الذرى كالشمس منفعلا قلبا أشد وخطوا ثائر الغضب نعم إن الشاعر لم يغادر في قصيدته مفردات تفاصيل البيئة البدوية العربية في شبه الجزيرة العربية قبل النفط فان المتذوق لا يفوته أن تمر به تلك المفردات فيعرفها ويعرف بها وجه الصحراء العربية ويرى صورة تفاصيلها المفازات والخيام والسرى بالليل ووهج الشمس بالنهار ويعاني مع الشاعر حر الشمس وعناء السرى ويشم معه عبق القهوة العربية والهيل واحتراق الحطب في النار ولكن ذلك لا يأتي مقحما اقحاما على النص بغير جمال ولا فن بل يأتي عفو الخاطر يورده الشاعر خواطر نفس وهواجس شاعر وألم ذكرى وجمال صورة بلطف وتلوين جميل دون تصنع ولا تزويق وكأنه يروي حلما جميلا مر به يقول: تنأى الدروب ووهج الحلم يسلبني إثر الدروب وصوت الشيح يهتف بي خرس المفازات كم أقلقتهن سرى ملئي الحنين وخلفي مفزع النوب تموج حولي الليالي الهوج نافرة ما نلن من غضبي الزاهي ولا صخبي عباءتي خيمتي والبيد مملكتي وموعد الحلم في مستوفز السحب وهكذا هو الشاعر الحقيقي لا يورد قصيدته ايراد العارض للحقائق عارية جافة ولا الصور وكأنها صور فوتوغرافية بل هي الألوان والأطياف والخيال الشفاف التي تظهر من خلفه الصورة تماطل كلا على قدر رؤياه في تفسيرها وتحديد معالمها كل بحسب ذوقه ومدى غوصه وذهابه وراء الصورة التي تلوح كالخيال. ولم تكن القصيدة مجرد صور جميلة عن ذلك الجمال العفوي الصحراوي العربي بل هي فخر في الحقيقة بسمات العربي التي أضاعها في خضم هذا الزحف الثقافي العالمي عليه وعلى أرضه كما هو أسى على ضياع تلك السمات وبكاء خفي عليها ومن سماته تلك الحب والطهر والشعر والكرم واغاثة الملهوف واللاجئ وعدم الخضوع لغير الخالق فقال بتصوير لا بتقرير: أحب أرضي وأرض الطهر تعشقني حبا بحب وما في الحب من عجب إذا سجى الليل أيقظت الكرى شجنا وهومت بالقوافي هزة الطرب «وللمعاميل» حول النار موعدها يا عابق الهيل حدث واهج الحطب وان دنا طارق أو صاح ملتجئ فقد تدثر عن خوف وعن سغب يا عابرين فجاج الحزن من رهق القوا الرحال فهذا موسم الخصب تدثروا في دمى ريح الشمال أنا تدثروا في دمى استوطنوا عصبي متى دوى الخوف مرا صحت ها أنذا إليك روحا بغير الموت لم تطب رفعت كفا لغير الله ما رفعت لم تنب عما به همت ولم تخب