أعادت حوادث منطقة القبائل الجزائرية التي سقط فيها العديد من القتلى والجرحى الأيام الماضية ملف الاستقرار الأمني في هذا البلد العربي إلى واجهة الأحداث الدولية. فبعد مرور 12 عاماً على أحداث أكتوبر التي شهدت الجزائر خلالها مظاهرات شعبية طالبت النظام الجزائري آنذاك بالتغيير، ها هي الأحداث تعود من جديد ولكن الاختلاف هذه المرة أن الحوادث انحصرت في منطقة معروفة بتمركز البربر فيها بكثافة وهو ما يطرح ألف تساؤل عن خلفيات وأبعاد هذه الحوادث. إذ لماذا انحصرت هذه الحوادث في هذه المنطقة بالذات من دون أن تمتد إلى بقية المناطق الأخرى؟ إن المتتبع للشأن الجزائري سيلاحظ أن مطالب المتظاهرين كانت سياسية أكثر مما هي مطالب اجتماعية كتحسين المعيشة وإيجاد حلول لمشكلات البطالة ومشكلات الشباب بالخصوص الذين يشكلون 75% من شرائح المجتمع الجزائري، فكانت أولوية مطالب المتظاهرين هي أن تعترف الحكومة بالهوية الامازيغية وباللغة الامازيغية أساساً كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. بل كانت مطالب المتظاهرين غريبة إلى حد ما وهي انهم طالبوا بتدريس اللغة الامازيغية في المدارس والجامعات. ومع أن مثل هذه المطالب سبق وان تمت مناقشتها خلال السنوات الماضية وتم تحديد الاطار الدستوري للهوية الامازيغية في الدستور الجزائري والذي يعترف صراحة أن الهوية الجزائرية تكمن في الأبعاد الثلاثة: الإسلام والعربية والامازيغية، وأكثر من ذلك سمحت الدولة بتأسيس المئات من الجمعيات الثقافية للمحافظة على الهوية الامازيغية بل إنها خصصت حيزاً كبيراً من برامج الاذاعة والتلفزيون للتعريف بالثقافة البربرية وجذورها التاريخية وباللغة الامازيغية ويبث التلفزيون الجزائري نشرة إخبارية باللغة الامازيغية يومياً. ومع أن المشكلة ليست في الثقافة البربرية لأن جميع فئات المجتمع تؤمن بأن الثقافة البربرية هي جزء من ثقافة الشعب الجزائري، إلا أن هناك تخوفاً مبطناً من قبل الدولة الجزائرية وعموم الشعب الجزائري من أن تستغل بعض الأحزاب العرقية من الداخل وبعض الأطراف الخارجية خاصة في صفوف الأوساط الفرنسية القضية لتحقيق مطامعها السياسية، علماً أن العديد من هذه الأحزاب، كحزب الثقافة من أجل الديمقراطية الذي يقوده سعيد سعيد وجبهة القوى الاشتراكية التي يقودها حسين أيت أحمد، لا يزالان يطالبان الدولة بالاعتراف بالهوية البربرية بل انهما تأسسا للدفاع عن مطالبهما هذه، والأخطر من ذلك أنهما يشنان حرباً كلامية للتشكيك في الهوية العربية وانتماء الشعب الجزائري الأصيل للأمتين العربية والإسلامية. وتمثل هذه الفئة جماعة ضغط على الحكومة الجزائرية لتعطيل أي مشروع يهدد مصالحها ويكفي انها استطاعت أن توقف العمل بالقانون الذي أقره البرلمان الجزائري والذي طالب بتعريب الإدارة الجزائرية. وما هو ملاحظ أن الحملة البربرية تزامنت مع استعدادات الجزائر لتعديل الدستور لكي يكون أكثر فاعلية في التنفيذ، وترغب التيارات الامازيغية أن تدرج اللغة الامازيغية إلى جنب اللغة العربية كلغة رسمية وهي تجد في ذلك مساندة من فرنسا التي اغتنمت الفرصة وراحت تصرح بلسان وزير خارجيتها روبير فدرين انها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يحدث في الجزائر، بينما تناست أن لها اليد الطولى في ما يحدث منذ عام 1998 وإلى يومنا هذا وهي تستخدم في ذلك الأحزاب البربرية الموالية لها وطابورها الخامس الذي حافظت من خلالهما على مصالحها. ومع أن فرنسا تعرف ما تمثله الجزائر من أهمية بالنسبة إليها إلا انها لم تنس أبداً أن هذا البلد الذي لقنها درساً لن تنساه في الشجاعة والبطولة واستطاع أن ينال حريته بإرادة فولاذية، والاضطراب الداخلي في الجزائر يهمها بالدرجة الأولى لأنها لا ترغب في أن تكون على ضفتها الجنوبية دولة عربية مستقرة وقادرة على المنافسة، خاصة إذا كانت هذه الدولة العربية تتمتع بمقومات استراتيجية وتتوافر لديها ثروات باطنية وقدرات علمية. لذلك ليس خافياً على أحد انه كلما اقتربت الجزائر من التعافي من الأزمة التي تهدد كيانها إلا وشاهدنا ظهور بوادر أزمة أخرى، مما يجعل كل واحد منا يوجه الاتهام إلى الأطراف الخارجية التي لا ترضى الخير لنا، والأيام كفيلة بإثبات ذلك. ـ كاتب جزائري