لن يكون بابا الفاتيكان ملوكياً أكثر من الملك. والمعلقون العرب الذين يطالبون راعي المسيحيين الكاثوليك في العالم بإعلان موقف إدانة صريحة ضد دولة إسرائيل اليهودية عليهم أن يوجهوا، أقلامهم أولاً إلى القيادات العربية صاحبة القضية بالأصالة. فليس مطلوباً من البابا أو غيره أن يتبنى نضالياً قضية بالنيابة عن أصحابها وهم قاعدون. ومع ذلك لم يشأ البابا يوحنا بولس الثاني إلا أن يصدع بكلمة الحق. ففي مطار دمشق هذا الأسبوع، وقد وصل للتو لبدء زيارته الرسمية الأولى لسوريا، أعلن البابا على مسامع الإسرائيليين عبر الحدود أنه «حان الوقت كما عبرت علانية في مناسبة أخرى للعودة إلى مباديء الشرعية الدولية وأهمها: منع أخذ الأراضي بالقوة، حق الشعوب في تقرير المصير، احترام مقررات الأمم المتحدة». وعندما يطالب البابا بتطبيق مباديء الشرعية الدولية ذاكراً بالتحديد منع أخذ الأراضي بالقوة ومبدأ حق تقرير المصير للشعوب فإنه يشير من ناحية بإصبع إدانة ضمنية إلى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وتأييد ضمني من ناحية أخرى للشعب الفلسطيني وحقه في التحرر والاستقلال. ولن يستطيع البابا أن يذهب أبعد من ذلك دون أن يجلب للفاتيكان والطائفة الكاثوليكية حملة عداء شرس من المؤسسات الصهيونية النافذة في الغرب سوف يجد نفسه حيالها واقفاً وحده في العراء بينما القيادات العربية صاحبة القضية لا تزال تتودد للحكومات الغربية وتتهيب مواجهة إسرائيل. إن المسئولية في مجابهة إسرائيل والحركة الصهيونية في الغرب تقع بالدرجة الأولى على القيادات العربية وليس على الفاتيكان أو غيره. وإذن فإن المطلوب هو أن تعمد هذه القيادات أولاً إلى تطوير موقفها نوعياً.. وحينئذ سوف يجد البابا ما يشجعه على تصعيد الموقف الحالي للفاتيكان واثقاً من أن أصحاب القضية لن يخذلوه عندما تفتح المؤسسات الصهيونية نيرانها عليه. وما يقال عن الفاتيكان في هذا السياق ينسحب على جهات أخرى... كلها لم تزل تتساءل عما إذا كان من الحكمة أن تكون ملوكية أكثر من الملك. وأقرب مثال هو الاتحاد الأوروبي. فدول الاتحاد تتوافر لديها رغبة قوية في أن تلعب دوراً رئيسياً فاعلاً ومباشراً داخل المشهد الصراعي بين إسرائيل والأطراف العربية المعنية جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة وعلى قدم المساواة معها. والرغبة الأوروبية هذه تتجه، لعوامل القرب الجيوـ سياسي بين أوروبا والعالم العربي، مبدئياً صوب التعاطف مع الحق العربي. ولكن لأن قيادات عربية، بما فيها القيادة الفلسطينية تستجيب لضغوط الولايات المتحدة في عدم الترحيب بدور أوروبي ذي أثر فاعل فإن الاتحاد الأوروبي ليس بطبيعة الحال على استعداد للدخول في مخاطرة ضد إسرائيل والولايات المتحدة بينما هو غير واثق من صمود العرب أنفسهم معه. وهناك ثلاث قوى دولية ـ فرنسا وروسيا والصين ـ تتخذ موقفاً صريحاً ضد الولايات المتحدة بشأن نظام العقوبات المفروضة على العراق. لكنها كذلك ليست على استعداد لتصعيد هذا الموقف إلى درجة المواجهة الحامسة مع أمريكا وهي تدرك سلفاً أن أول من سوف يخذلها هو الأطراف العربية المفترض أن تكون أحرص على الأخذ بيد العراق. إن هناك من الإرث التاريخي الديني ما يمكن أن يجمع بين الطوائف المسيحية في العالم، وخاصة الكاثوليك وبين مسلمي العالم في جبهة واحدة ضد اليهود واليهودية... وبالتالي ضد الدولة الإسرائيلية وسندها الأساسي المتمثل في الحركة الصهيونية. ولأن العرب المسلمين هم الهدف الأول والأكبر للعداء الصهيوني في هذا العصر فإنهم يجب أن يكونوا الجهة المعنية أكثر من غيرها بتكوين الجبهة العالمية بين المسلمين والمسيحيين ضد اليهود واليهودية.