هبت عاصفة هوجاء في أوساط السياسة والدبلوماسية ومعابر الاتصال والإعلام وحقول الثقافة والتاريخ على طول هذا الأسبوع في فرنسا والسبب صدور كتاب للجنرال المتقاعد أوسارس الذي كان يشغل وظيفة رئيس جهاز المخابرات، العسكرية الفرنسية بالجزائر من سنة 1955 إلى سنة 1957 وهي سنوات الجمر كما سماها شريط سينمائي معروف حاز على «سعفة مهرجان كان» منذ عشرين عاماً. هذا الكتاب صدر بعنوان «الأجهزة الخاصة بالجزائر 55 ـ 57»، وكان صدوره بمثابة القنبلة في هذا الزمن الزاخر بالجراح المفتوحة بين الجزائر وفرنسا. فالجنرال المتقاعد الذي باشر عمليات قمع الثورة الجزائرية في المهد يعترف صراحة أنه قام بيديه بقتل الشهيد المناضل العربي بن مهيدي، بل وباشر بقتل أربعة وعشرين ثائراً أو مجرد «مُشتبه فيهم» إما في معارك أو في زنزانات الأجهزة الخاصة تحت التعذيب. اعترافات خطيرة في حد ذاتها وأخطر منها أن الجنرال أوسارس ورّط أكبر رجالات الدولة في الخمسينيات مؤكداً أنهم كانوا على علم بكل جزئيات التقتيل والتعذيب وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل فرنسوا ميتران الذي كان يشغل منصب وزير العدل حين اندلاع ثورة التحرير الجزائرية في نوفمبر 1955. فالحكومة الفرنسية في ذلك العهد كانت حكومة اشتراكية يرأسها جي مولي وكان وزير خارجيتها كرستيان بينو الذي كان أحد الثلاثة المهندسين المخططين للعدوان الثلاثي على مصر في نهاية أكتوبر 1956 إلى جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية بن جوريون ورئيس الحكومة البريطانية ايدن. تكلم الجنرال أوسارس فأوقد النار في هشيم جاف كان ينتظر اللهب. فبين الجزائر وفرنسا جراح قديمة جديدة يصعب شفاؤها، لأن قصة الاستعمار الفرنسي للجزائر تختلف عن تونس والمغرب ولبنان وسوريا وأفريقيا ومدغشقر. فهي قصة عذاب طويل ومرير راح ضحيته مليون ونصف المليون شهيد وطال على مدى مئة وثلاثين عاماً، منذ عام 1830 إلى عام 1916. لقد بدأت المقاومة الشعبية المسلمة للاستعمار منذ 1835 إلى سنة 1848 حين ثار الأمير عبدالقادر الجزائري أمير السيف والقلم ضد المحتلّين وطاردهم وتحمل الشعب الجزائري أبشع عمليات الإبادة والحرق على أيدي الجنرال بيليسي والجنرال جيرو... إلى أن تمكن الاستعمار من هزيمة الأمير وجيشه وتم نفيه إلى المشرق حيث توفي في بيروت. إلا أن ثورة جبال الأطلسي لم تلق السلاح فظلت غضبة الجزائر موقدة ولكن الاستعمار طغى وتجبر وألحق الجزائر بفرنسا كإحدى مقاطعاته ومارس أعتى عمليات مسخ هوية الأمة وطمس دينها ولغتها وأصبح الجزائريون رعايا للاستعمار... لكن اللهب المقدس عال حي... كما يسميه شاعر الجزائر المرحوم مفدي زكريا صاحب النشيد الوطني الجزائري المعروف، واندلعت حرب التحرير وتضاعفت وحشية المستعمر وذاق الوطنيون الثوار من «دعاة الحرية والنور» أقسى أنواع التعذيب والقتل البطيء والإبادة الجماعية وعرف الضمير الفرنسي بصيصاً مما كان يجري بالجزائر فهّب ذلك الضمير ثائراً وتمرّد الفيلسوف جون بول سارتر والكاتبة الانسانية سيمون دي بوفوار والمفكر الماركسي ـ حينئذ ـ روجي جارودي وكثيرون غيرهم لفضح ممارسات التعذيب وإدانة الإدارة الفرنسية بجرائم ضد الإنسانية وانقسم الكفاح الوطني الجزائري إلى ثلاثة أقسام متكاملة: قسم للتفاوض ومحادثات السلام برز فيه زعماء صادقون وسياسيون مخلصون أمثال كريم بلقاسم وقسم للكفاح المسلح طلع منه قادة عسكريون مقتدرون أمثال أحمد بن بيلا وهواري بومدين واستشهد منهم أبطال أمثال العربي بن مهيدي وديدوش مراد، وقسم ثالث ظل يمثل الشرعية السياسية ضمن الحكومة الجزائرية المؤقتة منهم رجال أقوياء متمرسون أمثال المرحوم فرحات عباس وطيب الذكر بن يوسف بن خدة اللذين ترأسا تلك الحكومة ومقرها بتونس. وها نحن اليوم أمام اعترافات صريحة بالقتل والتعذيب والوحشية، لا تدين مقترفيها الوحوش فقط بل الدولة الفرنسية التي كانت قائمة في الخمسينيات. وقد قرأنا رد فعل غاضب للرئيس جاك شيراك ولرئيس الحكومة ليونيل جوسبان وهما يطالبان العدالة بالتحرك لمحاكمة الجنرال السفاح بول أوسارس، وهو أمر مستبعد نظراً إلى أن الرجل بلغ الخامسة والثمانين ويتمتع بعفو تشريعي فرنسي صدر عام 1968، لكن معظم السياسيين في كل من فرنسا والجزائر يطالبون برفع الحَجْرِ عن الوثائق السرية التابعة للجيش الفرنسي بالجزائر لمعرفة الحقيقة كاملة عن تلك الحقبة السوداء من تاريخ البلدين، والتي تدين النظام الفرنسي الاستعماري بأكمله كنظام امبريالي اضطهد الشعوب وساند الدكتاتوريات العاتية التي استلمت الحكم بعد الاستقلال تحت شعار الكومنولث الفرانكفوني وخلق مناطق نفوذ سياسي واقتصادي حول البحر الأبيض المتوسط. إن الذي يهمنا نحن العرب ـ بصورة عامة ـ هو ضرورة إعادة قراءة تاريخ الاستعمار حتى ننظر في عمق ماضينا ونضيء حاضرنا بأضواء الحقيقة ونستعد لمستقبل مختلف... نحدد فيه علاقات أخرى مع القوى الطاغية الجديدة ـ أي الأمريكية تحديداً ـ والتي تبيح مع الأسف أبشع ممارسات القمع الاستعماري الإسرائيلي ضد شعب ـ هو شقيق الشعب الجزائري وكل شعب بطل ـ شعب لا يزال يقدم الشهداء ويتحمل التضحيات ويصنع مصيره بيديه في انتظار نصر شبيه بنصر الجزائر... نصر مبين وعد به الله سبحانه وتعالى المجاهدين والصابرين. ـ أستاذ الإعلام ـ جامعة قطر