إن من يمارس النشاط السياسي أصبح أمام وسائل إلكترونية وطرقا جديدة للاتصال تساعد على التعرف على هموم المجتمع بالتحاور مع الجماهير والاقتراب منها والاستجابة إلى مطامحها المشروعة، وبذلك يكتسب الرأي العام مزيداً من الوعي في التعرف على الشئون العامة ويسهم بالفعل في اتخاذ القرار على المستويين المركزي والمحلي. ويرى الاخصائيون في هذا المجال أن ممارسة الحياة الديمقراطية ستتأثر ـ إلى حد كبير ـ بتطور تقنيات الإعلام إذ ستكون الديمقراطية المباشرة قابلة تقنياً للتحقيق لأول مرة في التاريخ وهو ما سيتيح المشاركة اليومية في الحياة السياسية، والتصويت الإلكتروني، والقدرة على مجابهة مجموعات الضغط بفضل توفر سرعة المعلومات المطلوبة. وفي هذا المحيط الجديد من الشبكات الإلكترونية أصبح بإمكان الناخبين والمرشحين أن يتعارفوا بمزيد من الدقة والوضوح دون حاجة إلى اللقاء المباشر أو الاجتماع العمومي. ومن جهة أخرى، فإن امتداد الطريق السريعة للمعلومات عبر الحدود سوف يكون له أثر كبير في تطوير نظام الانتخابات بالمراسلة وتكثيف الإعلام المحلي والحياة السياسية لأن وسائل الاتصال الحديثة تساعد من خلال البنية التحتية ومن خلال المضمون على تجاوز الكثير من الصعوبات التي يعاني منها المواطن في المدن الكبرى أو في المجموعات الصغيرة. فإنشاء شبكات الاتصال من شأنها تكثيف العلاقات التفاعلية بين السكان وتوسيع النشاط المهني عن بعد، فتتحقق بذلك فوائد كثيرة في مستوى التصرف وتسيير الإدارة البلدية، وحل الإشكاليات الظرفية أو حتى الراسخة والاستجابة السريعة لطلبات المواطن وتسديد الخدمات البلدية المتنوعة وإحكام تنظيم حركة المرور والتخفيف منها في أوقات الذروة ومعالجة قضايا التلوث وتسهيل عملية جمع الرسوم وصرف الموارد المالية وغير ذلك من الخدمات. كما ستكون هذه الشبكات همزة الوصل بين السكان والهيئات الاستشارية المحلية ويصبح الحاسوب الذكي بمثابة العضو الإضافي للمجلس البلدي المعتمد لدى كل أسرة والمفوض له في استطلاعات رأي أفرادها وإشراكهم في اتخاذ القرارات البلدية المتصلة بحياتهم اليومية. وهذا شكل من أشكال المساهمة الذي يستقطب اهتمام المواطن ويشركه في تصريف شئون المجتمع. لقد كان النشاط السياسي مقتصراً في البداية على الاتصال المباشر فغيرت المطبعة والصحافة المكتوبة نوعية الحوار الشعبي ثم جاءت الإذاعة والتلفزيون فتمكن بواسطتهما القادة السياسيون من مخاطبة الجماهير عن بعد واختصار المراحل وآليات الوساطة وسيكون للطريق السريعة للمعلومات تأثيرها المتميز على السياسة، إذ أنها ستوفر للقادة وللناخبين ولمختلف المجموعات السكنية معلومات وبيانات تساعدهم على تحديد مواقفهم وأخذ القرارات الملائمة في منتهى السرعة. أما على المستوى السياسي الخارجي فقد كانت وظيفة الدبلوماسي تتمثل في رعاية مصالح بلاده في الدولة التي اعتمد لديها رسميا والمحافظة على العلاقات الطيبة معها وتمتين هذه العلاقات بكل السبل المشروعة. اليوم فقد تطورت هذه الوظيفة نظراً لتطوير تقنيات الاتصال ومناهج إدارة العلاقات الدولية. ومع ظهور هموم وإشكاليات دولية مشتركة مثل تلوث الجو والبحار وانتشار المخدرات واتساع ظاهرة الإرهاب إضافة إلى مختلف المضاعفات الناجمة عن منظومة العولمة الاقتصادية، سوف تتطور آليات ممارسة الدبلوماسية وذلك نتيجة انصهار المصالح العليا للدولة في صلب المصلحة الكونية العامة. وقد أضحت هذه المهنة تبحث عن حدود وآفاق جديدة تحت تأثير تقنيات الاتصال وشبكات المعلومات المكثفة. وبصورة أوضح فإن التفتح على وسائل الاتصال الحديثة من شأنه إكساب المواطن المزيد من القدرة على التحليل العلمي والنقد الموضوعي وتمكينه من المساهمة بصفة أفضل في الحياة الاجتماعية ومن تطوير سلوكه بطريقة إدارية للتجاوب أكثر فأكثر مع الاختيارات المعاصرة. إلا أن ذلك يتوقف أساساً على توفير شرطين أساسيين وهما احترام حق الإنسان في الإعلام الموضوعي النزيه استناداً إلى القوانين الدولية والتقيد بأدبيات التفاعل عبر شبكات الاتصال الحديثة، وفي هذا الاطار يجدر التذكير بأن عدداً من الباحثين يميل إلى عقد مقارنة بين الحوار الذي يجري حول فرص الاستفادة من الطريقة السريعة للمعلومات وبين الجدل الذي ساد في السبعينيات بشأن النظام العالمي للإعلام والاتصال. وهي كلها تساؤلات تتعلق بمصيرالإنسانية وتهم بلدان الشمال وبلدان الجنوب على حد سواء ولابد من التفكير فيها بصفة معمقة وفتح الحوار في شأنها على أوسع نطاق ممكن. ـ خبير إعلامي عربي