هل نصدق ما تناقلته الصحافة الإسرائيلية من تحقيقات إخبارية وتعليقات بأن هناك خلافاً متنامياً يتفاعل بين رئيس الحكومة الائتلافية الإسرائيلية أرييل شارون ووزير خارجيته شيمون بيريز تجاه التعامل مع الطرف الفلسطيني والأطراف العربية المؤيدة له افتراضاً؟ هذا السؤال مهم من حيث أن بعض القيادات العربية تسعى لإقناع القيادة الفلسطينية بتوخي المرونة تجاه ما يعرض بيريز من أفكار ومقترحات لدعم «مقاومته» لتشدد رئيس حكومته. فشيمون بيريز، كممثل لحزب العمل داخل الائتلاف الحكومي «صانع سلام» يواجه شارون زعيم حزب الليكود الذي لا يعتنق سوى أجندة حرب... أو هكذا تقول هذه القيادات العربية... ومن ثم «تنصح» عرفات بـ «استثمار» هذا الخلاف على الجبهة الإسرائيلية عن طريق التجاوب مع بيريز. لقد برز السؤال المطروح بأوضح صوره حتى الآن خلال الأسبوع المنصرم عندما نجم تناقض علني بين بيريز وشارون حول الرؤية الإسرائيلية لشخصية عرفات. فما أن أذيع تصريح لبيريز وهو يخاطب مؤتمراً صحافياً في واشنطن يصف فيه عرفات بأنه «شريك السلام» الأوحد لإسرائيل حتى انبعث رد فعل فوري من داخل إسرائيل وصف فيه شارون الرئيس عرفات بكل نعوت الإرهاب واعتبره العقل المهندس لاستراتيجية العنف الفلسطيني وانه المسئول أولاً وأخيراً عن الانتفاضة. لكن رغم هذا التناقض الظاهري يقول شيمون بيريز من حين لآخر إنه ليس هناك خلاف بينه وبين رئيس الوزراء من حيث الغايات انما الاختلاف في الأساليب. إن الغاية الفورية في أولويات شارون كما تثبت أقواله المتكررة وأفعاله المتصلة على الأرض هي كيفية حمل الفلسطينيين على «وقف العنف» دون شرط أو مقابل... أي إخماد الانتفاضة نهائياً... بمعنى إجبار الشعب الفلسطيني على الاستسلام الكامل دون مناقشة أو مفاوضة. وفي تحقيق هذه الغاية الفورية نجد توافقاً تاماً بين شارون وبيريز. وفي كل الأحوال يبدو «النصح» العربي الذي يتلقاه عرفات باستثمار «الخلاف» بين الزعيمين الإسرائيليين عن طريق التجاوب مع ما يطرحه بيريز من اقتراحات وأفكار غير مفهوم. فحتى لو صدقنا أن هناك فعلاً خلافاً حقيقياً بين هذين الزعيمين فإن عرفات سوف يجد نفسه أمام احتمال واحد لا ثاني له وهو: ما جدوى التفاوض مع وزير خارجية لا يتمتع بتفويض من رئيس حكومته؟ وأما إذا كان الخلاف مفتعلاً من قبيل توزيع الأدوار فإن اقتناع عرفات باتخاذ مرونة تجاه بيريز لن يعني سوى أن الرئيس الفلسطيني يسعى بنفسه إلى الوقوع في فخ منصوب. فهو سوف يتعامل في هذه الحالة مع مسئول إسرائيل يعتمد نهج الكذب والمخادعة في إطار سياسة إسرائيلية موضوعة أجازها سلفاً رئيس الحكومة بالتواطؤ مع وزير خارجيته وبقية الطاقم الوزاري الإسرائيلي. إن ما يغري بالاقتناع أن حكومة شارون تعتمد الكذب كمنهج ثابت متفق عليه بين أطراف ائتلافها ما ورد على لسان شارون نفسه قبل عدة أيام حين قال ما نصه: «هناك أمور سننكرها... وهناك أمور ستظل مختفية إلى الأبد». كان شارون، وهو يتحدث إلى صحيفة إسرائيلية، يشير ضمناً بهذا التصريح إلى الاغتيالات التي نفذتها القوات الإسرائيلية ضد شخصيات قيادية فلسطينية وطالت أكثر من ثلاثين عنصراً وكأنه يقول: لقد نفذنا هذه الاغتيالات دون أدلة كافية أو محاكمات... وبما أن العالم ربما يستنكر هذا الأسلوب فإننا ننكرها. هكذا يقر شارون بأن الكذب منهج حكومته. ولو كان شيمون بيريز حقاً رجلاً نزيهاً على النقيض من رئيسه لما تردد في تقديم استقالته.