مد إليّ يده مصافحاً وقال: أنا أنور السادات (!). عجبت، إذ لابد أنه يمزح، ولكن الصحافي الجزائري الأربعيني قال: هذا اسمي الحقيقي. وفي الاستراحة التي أعقبت المحاضرة في قصر الثقافة في مدينة الجزائر العاصمة عرفت الموضوع، فقد أسماه والده بهذا الاسم لأنه كان مبهوراً بأعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية، وكان ألطف الأسماء لدى الوالد هو اسم «أنور السادات»، هكذا بالكامل، قبل أن يصبح رئيساً بسنوات طوال. وعندما سألته: هل فكر والدك بعد ذلك في أن يغير اسمك إثر ما بدا من أنور السادات من مسلك سياسي لاحق؟ قال: فكر بذلك ولكنه لم ينفذ! تلك هي الجزائر: عربية مسلمة وقومية أيضاً، إلا أنها حائرة، وحيرتها انقلبت إلى حمام دم، فمفاهيم الشرق الحديث تهب بكل قوة لتتمثل في أشكال من التجليات تُكسبها الجزائر رونقاً خاصاً بها، ولكنها تختلط أيضاً بما يهب على الجزائر من الغرب الأوروبي، لتمثل الحالة الجزائرية الراهنة «القلق الجزائري» الذي تلحظه في كل العيون التي تلقاها. عندما كانت الثورة على المستعمر في الشرق في أوجها ساهمت الجزائر بثورة لها خصوصيتها، وعندما بدأ التحول إلى التعددية وتفريخ الأحزاب السياسية، كان للجزائر أيضاً طابع خاص بها، وإذا كانت غيوم التحولات بعد انتهاء الحرب الباردة وما صاحبها من عدم يقين قد انجلت نسبياً في بعض المشرق، فإن الجزائر لا تزال تعاني من مخاض التحولات العسيرة، وتدفع ثمناً باهظاً لهذه المعاناة من دم أبنائها الذين يفوق عدد الضحايا القتلى منهم في السنوات الأخيرة عدد الضحايا الذين يسقطهم رصاص إسرائيل من الفلسطينيين. المشهد المعقد الجزائر اليوم في محنة مظهرها الخارجي ثقافي ـ سياسي، فهناك من يطالب بالأمازيغية (البربرية) لغة للتعليم والثقافة، والبعد عن العرب والعربية، وهناك من يطالب بالأصولية وقطع الصلة بالجذور الثقافية المحلية، كما أن البعض يجأر بمطالب سياسية متضاربة تختلف مع أولئك وهؤلاء، مما يجعل المشهد الخارجي المعقد يبدو في الصورة التالية: الإسلاميون ضد العلمانيين، الإباضيون ضد المالكيين، وعرب ضد أمازيغ، ومعربون ضد مفرنسين، ومحافظون ضد إصلاحيين، بل إسلاميون ضد إسلاميين... أهل دولة ضد أهل الدولة الآخرين... وهكذا في الخلطة المعقدة والمتقاطعة في الجزائر اليوم، إلى درجة أنك تظل تبحث لدى أهلها عن تفسير فلا تجد تفسيراً مقنعاً وشاملاً، وتبحث في الأدبيات التي كتبت عن الجزائر في السنوات الأخيرة، فتجد أكثر من نظرية تتصدى لتفسير ما حدث، وجلها نظريات جزئية مبتسرة تنطبق عليها حادثة العميان الذين طُلب إليهم وصف الفيل، فإذا كل منهم يختزله في الجزء الذي أمسك به! المتفحص لما تحت السطح الجزائري يرى أن الموضوعات المختلف عليها والتي تظهر في العلن هي ذرائع لقضايا أعمق، وهي القضايا الاقتصادية والاجتماعية، الممسكة بخناق المجتمع الجزائري، والتي تعود جذورها إلى عقدين من السنين على الأقل، يتداخل معها ويغذيها صراع محتدم بين النخبة الجزائرية، وهو صراع لم يعرف طريقاً للحل السلمي فاحتكم بعض الأطراف إلى السلاح، ليصعدوا من أوج التحارب الذي غُلف بأغلفة ثقافية مستعصية لجأت معها هذه النخب إلى المزايدة السياسية تجاه اليمين واليسار، القومي والإسلامي، الحديث والمحافظ، العروبي والمفرنس، كما تَقوّى كل طرف ضد الطرف الآخر، ولو بنقيضه، حتى تَقوّى هذا النقيض فتحول إلى وحش يستدير ليأكل حليفه السابق، في لعبة كراسيّ دوارة لا تجد من يوقفها، بعد أن أفقدت الجميع قدرتهم على التحكم في دورتها، خاصة بعد أن سادها العنف والعنف المضاد. النخبة الجزائرية اليوم على اختلاف مشاربها ومنابتها لا تلتفت كثيراً لملايين الشهداء الذين سقطوا في ساحة التحرير في مسيرة شاقة وطويلة تدل عليها تلك المقصلة الماثلة في المتحف العسكري في العاصمة، والتي أطاحت برقاب المئات من المناضلين الجزائريين، وإن التفتت النخبة إلى هذه الملايين، فإن التفاتها دائماً يصب في خانة الشعار لا الممارسة الحقيقية، كما لا تلتفت لمئات آلاف من الشهداء الذين سقطوا في ساحات المعارك المتكررة منذ أن وطئت القوات الفرنسية أرض الجزائر في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، ولا إلى تلك الصيحة التي أطلقها ابن باديس وهو أمازيغي: أن «شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب». تلك شعارات توارت بعد أن تغلّب عليها البحث عن مخارج اقتصادية وسياسية لما وجدت الجزائر نفسها تعانيه في مرحلة التحولات الكبرى. التحولات الصعبة لقد خضعت الجزائر منذ السنوات الأخيرة لحكم هواري بومدين مروراً بالثمانينيات، وكذلك عقد التسعينيات الرهيب لـ «صراع بين النخبة»، وهو صراع أججته ونفخت في ناره التحولات العالمية المصاحبة، من سقوط الاتحاد السوفييتي وانحسار للفكر الشيوعي، إلى الولوج في مرحلة التعددية السياسية وتحرير الاقتصاد وسياسة قوى السوق، ووجدت الجزائر أن مرحلة حكم هواري بومدين ـ وإن أنجزت الكثير في الشأن الاقتصادي والاجتماعي ـ لم تستطع أن تؤسس أرضية صالحة للتحول السياسي والاقتصادي المرن على المديين المتوسط والطويل، وكان مثالاً بارزاً لتجارب عديدة في العالم الثالث، قصرت جهودها على تنمية اقتصادية واجتماعية، فيما أهملت خطة موازية للتنمية الثقافية السياسية. وتزامن مع هذه المرحلة نفسها تذبذب كبير في دخل الجزائر النفطي، مما جعل من مرحلة ابن جديد، خاصة في سنواتها الأخيرة، مرحلة مضطربة سياسياً واقتصادياً، بدلاً من أن تبني وتضيف إلى انجازات بدت مزدهرة في عهد الرئيس بومدين، أصبحت الاستحقاقات السياسية والاجتماعية اللاحقة لمرحلة بومدين، أكبر حجماً وفداحة حتى من إنجازاتها السابقة، بعد أن افتقرت إلى القائد التاريخي من جهة، وإلى برنامج واضح الاتجاه من جهة أخرى. بعد وفاة بومدين التي زال على أثرها «السحر الأيديولوجي» للمرحلة، لم تحصل بعده قيادة جزائرية على ذلك التفويض الذي كان يتمتع به هو، ومن ثم لم تتوافر قيادة تستطيع أن تواكب التحولات، فارتخت الإدارة السياسية، على حساب تقوية السلطة المركزية، فأصبحت السلطة الجزائرية شكلاً خارجياً لمجموعة مصالح يقودها عدد من الأشخاص يسعون لتطويع سياسة الدولة لمصالحهم الخاصة. وبدت الجزائر مثالاً حياً للتناقض المميز للدولة الوطنية في العالم الثالث: نظام سياسي ضعيف وسلطة قائمة قوية، كانت الأسماء السياسية تظهر وتختفي بسرعة، وتدور الكراسي بين شلل سياسية وأصحاب رؤى فاقدة للمبادرة أو متناقضة الرؤية، اتخذت من الشعار زاداً بديلاً عن تلبية المطالب الحياتية للجزائريين، إلى درجة أن أحداً لم يعد يعرف من هو «المسيِّر»، ومن هو المسيَّر، ولأي هدف تسعى الدولة في ظل فيض من الإشاعات بفساد واسع وتهتك للنخبة حسب وصف العديد من المراقبين اليوم، فلجأ الجميع إلى الوعود بدلاً من تقديم الحقائق للناس، ولاستنزاف الدولة بدلاً من البحث المشترك في سبيل الخروج من المآزق المتوالية. ولأن مثل هذا الوضع غير قابل للاستمرار لم يكن هناك بد من اللجوء إلى الحلول السياسية السهلة، فأُطلقت فكرة تكوين الأحزاب في الثمانينيات، وقد خرج معظمها من عباءة جبهة التحرير، التي كانت تحكم شكلاً حتى ذلك الوقت، وأصبح في الجزائر ـ في نهاية الثمانينيات ـ حوالي ستين حزباً، تنادي بأشكال متعددة ومتناقضة من الشعارات، كل منها يدعي سعيه لإنقاذ الجزائر المنكوبة دون جدوى. مشكلة الهوية الثقافية بقية القصة معروفة، فقد احتدم الصراع في الشارع الجزائري بين فئات متعددة، من بينها الجبهة الإسلامية، والتي لم تكن شعبيتها ـ في ذلك الوقت ـ نابعة من قدرتها على تقديم حلول حقيقية للاقتصاد الجزائري العليل أو للتفكك السياسي الذي خلّف التشرذم في المجتمع الجزائري، وإنما أتت قوتها الوقتية من قدرتها على تطوير خطاب يمس شريحة اجتماعية واسعة تعاني الحرمان والإحباط، وجعْل هذا الخطاب يلامس هوية الفرد والمجتمع، والسعي إلى تبسيط الحلول للمواطن على أساس أن الخلاص قادم. إلا أن ذلك كان شكلاً من أشكال صراع النخبة أكثر منه دفعاً لحلول ناجعة لما تعانيه الجزائر في مرحلة التحول، فتشرذمت الجبهة ـ بعد ذلك ـ إلى فئات متناحرة نتيجة ضربات الأعداء ونقص شديد في التكوين السياسي لقيادتها، فانطلقت الفتاوى يُكفر بعضها بعضاً، وهكذا فعلت بقية الأحزاب الكبيرة والمتوسطة، فخاضت خطاباً عنيفاً يتغذى على مشكلة الهوية الثقافية أو غيرها، وعدم القدرة على تقديم الحلول، والعجز عن شجاعة الحد الأدنى من تبني قرار حازم وواقعي للخروج من المأزق، وفرز ما هو صالح للوطن ككل وما هو صالح لفئات صغيرة فيه... فكان الانهيار الذي قاد إلى سلسلة مفزعة من المذابح احتكمت إلى السلاح، والتي لا يعرف أحد حتى الآن من المتسببون فيها؟ ومن هم الضحايا؟ وكان الحل بتدخل الجيش، والجيش في الجزائر ـ لأسباب تاريخية عدة ـ كان دائماً لحمة تشتق منها باقي مؤسسات الدولة الجزائرية عناصرها الفاعلة، وإذا لم يكن هو الممارس للسلطة فهو يظل مصدراً لها، لأنه المؤسسة الوحيدة المنظمة والمنضبطة. وهكذا اصطبغ العمل السياسي الجزائري في السنوات الأخيرة، بمحاولة تقديم معادلة أحد طرفيها الوصول إلى سلام اجتماعي، والآخر تحقيق عدالة اجتماعية معقولة ترفع عن كاهل المواطن الجزائري العادي المعاناة الاقتصادية، التي يرزح تحت وطأتها منذ فترة طويلة، وهو ما يتبناه برنامج الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة. الأزمة اقتصادية الأحداث الأخيرة التي انطلقت من مناطق القبائل (البربر) تعني أن الخطاب السابق الذي طبع بعض الخلاف السياسي بالطابع الثقافي فقط، كان مجرد خطاب ذرائعي فحسب. فقد ثبت أن الوضع الملح يتمثل في الوضع الاقتصادي وضنك المعيشة اليومية، وضغوط البطالة والتكدس في المدن، والخوف من المستقبل. ومعظم الخطابات السياسية السابقة، على اختلافها وتنوعها، كانت تتخذ لها رمزاً ثقافياً للالتفاف على صلب القضية (الاقتصادية)، وتجنب النفاذ إلى جوهرها. فقد أدى اعتماد جيل كامل من الجزائريين على الدولة إبان المرحلة الاشتراكية إلى رفع سقف المطالب والتوقعات والتي ـ ببساطة ـ تضيق قدرة الدولة في الظروف الحالية عن الوفاء بها، كما استقر لدى النخبة أو بعضها في مرحلة الاضطراب والتغيير، محاولة الاستفادة القصوى من بقايا هذه الدولة. ولأن لكل شيء نهاية، فلم تعد الدولة قادرة على القيام بما كانت تضطلع به في مرحلة «البومدينية» والعصر الذهبي للاشتراكية التي طُبقت في الجزائر. فالظروف قد اختلفت جذرياً، كما تقلصت قدرة الناس على التسامح، فأصبحت أصغر إشاعة تُطلق تتسع وتنداح مثيرة اتهامات بفساد كبير، مما أساء إلى سمعة معظم من يتصدرون للعمل العام، وهو ما يلقي بآثاره القاتمة على العلاقة بين المواطن والسلطة. والحل الذي يمكن أن يقدم لمشكلات الجزائر المتفاقمة، ليس حلاً ميسوراً وطيّعاً، بحيث يمكن أن ينهي المشاكل كلها بجرة قلم... فالرواج الاقتصادي يحتاج إلى استقرار سياسي، ولكن البعض يُطالب بوضع العربة أمام الحصان، وفي ذلك منطق مغلوط، تختفي خلفه الطموحات السياسية الذاتية في مسيرة عبثية تتجه إلى مزيد من بعثرة الجهد الوطني الجزائري، وتقديم الضحايا دون طائل وإبقاء الأزمة مشتعلة ظاهرة، أو كامنة تحت الرماد، يمكن أن تُنبش في أي وقت. السؤال الذي خرجت به من الجزائر أطرحه على نفسي ـ بعد أسبوع قضيته هناك ـ هو: هل تستطيع الجزائر أن تخرج من هذا المأزق ومن منعطف التحول الكبير الذي تواجهه؟ ولم تتأخر الإجابة، فهذا الشعب الذي لم يستكن ولا حتى لأعتى استعمار استيطاني، ولم تمح هويته بين تقلبات الأزمان والمراحل، الشعب الذي ترعرع على هذه الأرض الغنية والجميلة في آن، لابد أنه شعب يتمتع بعبقرية خاصة نتجت عن مؤثرات الجغرافيا والتاريخ. قد يواجه هذا الشعب بعض الصعاب، ولكن ماذا يعني عقد من السنين، مهما شهد من آلام، في مقابل قرون طويلة حافلة بالصمود والانتصار؟ إن هذه العبقرية سوف تتجلى ـ كما يتمنى كل محبي الجزائر ـ في التسلح بالحكمة من أجل حقن المزيد من دماء شعب الجزائر المسلم، البربري والعربي في آن، ثم التفرغ لإعادة بناء مجتمع جزائري جديد تتعايش في ربوعه جميع ألوان الطيف، حيث يكون الاختلاف مبعثاً للثراء والتطور، بعيداً عن الخصوصية والتحارب. لم أغادر الجزائر إلا بعد أن قررت أن أزور القصبة، هذا الحي الذي يحتل مقاماً رفيعاً في خاطر كل من يتذكرون الثورة الجزائرية، وبعد أن تردد مضيفي وافق على تلبية رغبتي، مشترطاً أن تصحبني ثلة من رجال الأمن. وتذكرت وأنا أطوف بالأزقة الملتوية وأتابع الصبية وهم يلعبون، وعيون رجال الأمن المرافقين ترقب متوجسة، تذكرت أن حل المشكلة الجزائرية يكمن لدى الجزائريين فقط، أما نحن محبي الجزائر وشعبها العظيم فليس لدينا إلا الدعاء. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت