بين سطور رواية (السكرية) وهى خاتمة العقد الفريد الجميل في ثلاثية عمنا نجيب محفوظ يلخص أحد أبطال القصة الأيام الأحداث الثلاثة السوداء كما وصفها في حياة جيل العشرينيات من القرن الماضي فيقول: ـ إنها: موت المنفلوطي وضياع السودان ووفاة سيد درويش. ـ وربما كان ذلك في عام 1925 أو 1926 فلم يكن الزعيم سعد زغلول قد رحل بعد إلى عالم الخلود وكان ذلك في أغسطس من عام 1927 إلى هذا الحد كان أهل الربع الأول من القرن العشرين ينظرون بعين التوقير والتقدير. إلى حد التكريس والإجلال إلى أديب كان ملء السمع والبصر في ذلك الحين، تماما كما كانوا ينظرون إلى موهبة قوة تجسدت في عبقري الموسيقى الذي برق كشهاب ثم إنطفأ مثل نيزك مرق في كبد السماء هو سيد درويش حتى أنهم يساوون بين رحيل الأديب والموسيقار وبين حادث وطنى جلل تجسد فيما قام به الإنجليز المستعمرون من فصل شطري وادي النيل شماله وجنوبه، في مصر والسودان. يقول صلاح عيسى في كتابه الجميل بعنوان (هوامش المقريزي): ـ هكذا ارتبط المنفلوطي في وجدان الجيل الذي كان شابا في عشرينيات القرن بمجموعة من العواطف المركبة بعضها بأحلام مجهضة كضياع السودان. والآخر مزيج من الفرح والحزن والكبرياء الوطنى ونشوة الطرب كانت تمثله موسيقى سيد درويش، أما المنفلوطي نفسه فكان آخر صيحة في أدب الإنشاء والخواطر حيث يجد الكاتب فرصته ليزخرف اللفظ ويوشى الفكره ببعض المحسنات، وفي زمنه كان المنفلوطي كما يضيف صلاح عيسى قمة من قمم الإنشاء العربي تنشر الصحف نظرياته الشهيرة في صدر صفحاتها وتطبع المطابع كتبه وتعيد طبعها. ـ ونحسب أن الزميل صلاح عيسى لم يقصد بحكاية آخر صيحة في أدب الإنشاء العربي ما قد ينصرف إليه المعنى من الوهلة الأولى تآخر الصيحات عادة تكون الأحدث والأكثر مجاراة لروح عصر واعد وجديد ونحن نفهم الأمر مع أن اسلوب المنفلوطي كان الصيحة الأخيرة أو هو أغنية البجعة الشهيرة في أساطير الغرب. يشدو بها الطير ثم يردد آخر الأنفاس، ويموت. ـ ولعل هذا الخاطر كان وجدان صلاح عيسى نفسه حين كتب يقول: ان الحياة في مصر كانت وقتها تتعقد يوما بعد يوم وتنتشر المصانع والأفكار الجديدة فتتوارى إلى الخلف أهمية الألفاظ الجزلة لتتقدم عنها في الأهمية لغة العلم البسيطة والمباشرة. وأيا كان الأمر فقد ظلم المنفلوطي مرتين كانت آخرهما يوم أن رحل عن الدنيا في يوم محاولة الاعتداء على حياة سعد زغلول وقد انشغل الناس بجراح الزعيم عن وداع أديب كبير إلى حيث مثواه الأخير. أما الظلم الأول فكان على يد كاتب كان شابا واعدا يافعا في تلك الأيام هو إبراهيم عبد القادر المازني، وأمامي الآن كتاب أعده نفيسا من معالم الأدب العربي الحديث اسمه (الديوان في الأدب والنقد) وقد أصدره رفيقا المسيرة الأدبية والفكرية عباس العقاد وإبراهيم المازني وكان كل منهما في الثانية والثلاثين من العمر هما من مواليد عام 1889 وكذلك كان العم الكبير طه حسين، وكان أيضا الكوميديان العالمي شارلي شابلن والزعيم الألماني أدولف هتلر. وكان الأديبان قد توكلا على الله مصممين على أن يحطما أكبر رموز الأدب في زمانهما شعرا ونثرا على السواء، كي يبشرا كما تصورا لمدرسة جديدة في آداب العربية كانا قد استعدا لها بتحصيل واسع ودرس عميق لآخر إبداعات آداب الإنجليزية في النقد والشعر والرواية منذ أواخر القرن التاسع عشر ومع مطالع القرن العشرين، إضافة إلى موهبة شعرية ونثرية لدى كل منهما. ولأمر ما اختار العقاد أن يهاجم شوقي وقد فعل عباس إلى درجة الغلو في حق الشاعر الكلاسيكي الكبير واختار المازني صاحبنا المنفلوطي وقد أعمل في أدبه مشرط جراح ماهر وساخر أيضا. أما العقاد فقد استهل كتاب (الديوان) بسطور شديدة الإلتهاب، مفعمة بالوعيد موجهة إلى أكبر الأدباء الذين كانوا في ذلك الوقت يتربعون على عروش الكلمة وفي وجدان القارئين، قالت السطور: ـ أيه يا خفافيش الأدب. اغثيتم أنفسنا أغثى الله نفوسكم الضئيلة، لا هوادة بعد اليوم. السوط في اليد وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت، وسنفرغ لكم أيها الثقلان فأكثروا من مساوئكم فأنكم بهذه المساوئ تعملون للأدب والحقيقة أضعاف ما عملت لها حسناتكم أن كانت لكم حسنة يحسها الأدب والحقيقة. جاء المنفلوطي من الصعيد الجواني في مصر العليا وجاور في الأزهر للدراسة زمنا ثم انقطع وبعدها تفرغ للكتابة الأدبية في الصحف والمجلات يسنده في ذلك موهبة فطرية في الإنشاء البليغ ويتميز بأسلوب في الترسل وسبك العبارات وجزالة الفقرات وطول النفس (الفاء المفتوحة) وبراعة الإنفعال من غرض إلى أغراض، لكنه في كل حال كان رجلا بسيطا. سهل المآخذ مستقيم القصد. صعيديا ينحدر من بيت ذي نسب شريف كما يقول وكان يفتح أبواب هذا البيت في القاهرة حيث يغشى موائده العامرات اخلاط من الأدباء والمتأدبين. الموهوبين، وانصاف الموهوبين، فضلا عن العاطلين من كل موهبة وهم أدعياء متطفلون وكان من الطبيعي أن تتشكل منهم جوقة مرددين تلهج بذكر مصطفى لطفي ومآثره وعبقريته ونبوغه وطول باعه ورفعة مكانته في دنيا الكتابة والإنشاء، كل ذلك وخياشيمهم مفعمة بشوائه وعيونهم على صحاف موائده وليس أدل على بساطة، هل نقول سذاجة المنفلوطي ما يرويه المازني في (الديوان) حين قال: ومن طريف ما نرويه في هذا المقام أن السيد (المنفلوطي) سمع بعزمنا على اخراج هذا الكتاب فجاء يدعونا إلى مائدته وأرسل يلح علينا في (تشريفه) فلم ينقدنا من الحاحه ولم ينجنا من موقف الغدر ونكران جميل مائدته إلا المرض. فما أحسن المصائب في بعض الأحيان. وفي معرض النقد يتهم المازني المنفلوطي بأن في إسلوبه ضعفا وطراوة أقرب إلى النعومة وبالتكلف لأنه كما يذكر المازني يتصنع العاطفة كما يتصنع العبارة (المعبرة) عنها والمعروف أن الناس كانوا يقرأون في ذلك العصر قصصا أو روايات لمؤلفين أجانب، فرنسيين بالذات وعلى أغلفتها يقرأون اسم المنفلوطي روايات مجدولين، او تحت ظلال الزيزفون أو الشاعر سيرانودي برجراك وغيرها، ولم يكن المنفلوطي يعرف لغة أجنبية وكان يقال انه يدفع مبلغا من المال (قالوا أيامها انه خمسة جنيهات مصرية. ولا تنس أنها بسعر صرف العشرينيات إذ كان الجنيه المصري يساوي أكثر من سعر الاسترليني). وكان المبلغ يتقاضاه مترجم على باب الله من أمثالنا (كاتب هذه السطور) ثم يمضي المسكين إلى حال سبيله لا يلوي أو يلوي على شئ وبعدها يتناول المنفلوطي النص المترجم. ويعيد بالطبع صياغته من جديد وقد أسبغ عليه رواء العربية الشريفة وألبسه نسيجا من بلاغة وإهابا من فصاحة وبث بين السطور روحا من شفافية ورهافة، وكم من مناديل تلفت في تجفيف الدمع الهتون المنسكب من مآقى السيدات والأوانس والشباب الرومانسي من المدنف عشقا وصبابه، جزعا على عاشق مسكين أو عاشقة بختها كان من الضيق بمكان، أو طفل هائم في البرية أو طفلة بائسة، بالية الثوب كاسفة البال دامعة العين تحاول أن تتوارى وراء الأسوار والجدران خجلا من متربتها ورثاثة ثوبها، في صباح يوم العيد، (والسطور الأخيرة مازالت تعيها ذاكرة الفقير عند أيام الطلب الأولى من نثر المنفلوطي وبالمناسبة فقد نشأنا في حي السيدة زينب وكان منزل المنفلوطي) في شارع يجاور الشارع الذي تربينا فيه وكان منزلا قديما بحديقة صغيرة قل من كان يعتني بها ومازال الشارع يحمل اسم المنفلوطي، وتشاء المصادفات أن يكون هو نفس الشارع الذي نشأ وتربى فيه أديب كبير آخر هو يوسف السباعي وكان والده محمد السباعي من كبار المترجمين في الثلث الأول من القرن العشرين، وقد قدم أدق ترجمة عن الإنجليزية لرباعيات الخيام، كما قدم ترجمات في غاية الدقة والبلاغة لكتاب الأبطال وعبارة البطولة الذي وضعه المفكر الإنجليزي الكبير توماس كارلايل وقدم فيه شخصية الرسول الكريم محمد عليه الصلام والسلام بطلا مرموقا عظيما يشار له بكل بنان، ولا عليك من ختام السطور، فلا يزال الحديث موصولا عن اشتباك المازني مع المنفلوطي.