قريبا تكتمل عزلة الولايات المتحدة اذا واصل الرئيس جورج بوش سياسته الخارجية الاستفزازية التي اثارت حفيظة حتى اقرب الحلفاء الغربيين. ففي اقل من اربعة شهور على تسلم بوش زمام السلطة، تتلفت واشنطن يمنة ويسرة حول العالم فلا تجد من بين القوى الدولية الكبرى من يقف بجانبها سوى بريطانيا. ولنبدأ من آخر الانباء، في بحر اسبوع واحد تلقت ادارة بوش صفعتين من اقرب المقربين: الاتحاد الاوروبي، ففي تحد سافر وعلني بعث الاتحاد الاوروبي بوفد عالي المستوى برئاسة وزير خارجية السويد (التي تتولى الآن الرئاسة الدورية للاتحاد) الى كوريا الشمالية في نفس الوقت الذي نشرت فيه واشنطن قائمتها السنوية للدول «الراعية للارهاب» وقد حوت اسم تلك الدولة الآسيوية الاشتراكية، وفي تحد آخر ادهى وأمر تضامنت الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي لاخراج الولايات المتحدة من عضوية لجنة حقوق الانسان الدولية علما بأن هذه هي المرة الاولى في تاريخ الامم المتحدة التي تفقد فيها امريكا عضويتها في اللجنة، فقد ظلت الولايات المتحدة تتمتع بعضوية اللجنة وتصول فيها وتجول لمدى اكثر من نصف قرن. الصفعتان على اثر تذمر وسط الدول الاوروبية تجاه اعلان من الرئيس بوش اكد فيه عزم الولايات المتحدة على اقامة ما يطلق عليه «مشروع الدرع الصاروخي القومي» وهو باختصار نظام ينسف حالة التوازن النووي بين القوى الكبرى التي ظلت قائمة لمدى العقود الثلاثة الاخيرة. وبتصعيده للقوة النووية الصاروخية للولايات المتحدة يؤدي هذا النظام ـ لو نفذ ـ الى الاخلال بذلك التوازن بما يؤدي حتما الى سباق نووى جديد يهدد استقرار وامن العالم. هذا التذمر الاوروبي تزامن معه في نفس الاتجاه احتجاج روسي وصيني ضد الولايات المتحدة. واحتجاج موسكو وبيجين يأتي بعد وقوع ازمة امريكية روسية واخرى امريكية صينية فقد استشاطت روسيا غضبا عندما استقبلت واشنطن رسميا «وزير خارجية» جمهورية الشيشان التي تشن حربا ضارية بغرض الانفصال من الاتحاد الروسي. واما بالنسبة للصين فان الازمة مع الولايات المتحدة مزدوجة فقد اصطدمت طائرة تجسس امريكية مع طائرة مقاتلة صينية فوق الاجواء الصينية (كما تقول بيجين) او قربها (كما تقول واشنطن) مما نتج عنه مقتل الطيار الصيني واضطرار الطائرة الامريكية للهبوط في مطار صيني واذ افرجت السلطات الصينية عن الطاقم الامريكي فانها احتفظت بالطائرة التجسسية. وهدأت الازمة نسبيا لكنها سرعان ما تصاعدت مرة اخرى بدرجة خطيرة عندما اعلنت واشنطن موافقتها على صفقة اسلحة جديدة لتايوان فتحول المشهد الى ما يشبه عودة الحرب الباردة. وهكذا في غضون بضعة شهور فقط ادت سياسة بوش الى اغضاب كل من الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين. وليس من الصعب رؤية صورة المستقبل اذا واصلت الولايات المتحدة هذا النهج الاستفزازي على يد الرئيس بوش، واول عناصر هذه الصورة سيكون قيام تحالف استراتيجي بين روسيا والصين وهذا بدوره سوف يشجع الاتحاد الاوروبي على المضي في نهجه الاستقلالي من اجل الاحتفاظ بمسافة متوازنة بين الولايات المتحدة والحلف الجديد. اما ما قد ينشأ على اثر ذلك من تداعيات فانه لايمكن التنبؤ به لكن عزلة امريكا سوف تشتد حتما. وللاسف فانه ليس للعرب استراتيجية استقلالية جماعية للافادة من مثل هذه المتغيرات الخطيرة في الساحة الدولية.