اعرف ان الحديث الذي جرى يوما بيني وبين مدرس موسيقى مواطن قديم جدا، واعرف تماما انني اسوقه في هذا الوقت الذي تستعد فيه المدارس بمدرسيها لاغلاق ملفات العام الدراسي الذي يشارف على الانتهاء.. لكن للحديث اهمية من وجهة نظر ذاك المدرس الذي مازال مهموماً بأمر الذائقة الموسيقية عند الطلاب، وقدرة الموسيقى على فتح مخيلتهم، لكن المدرس ذاته لم يتحدث عما يخصه فقط فقد تحدث عن الفنون الاخرى التي يمارسها الطلاب في المدارس بطريقة يقول عنها.. اننا نضحك عليهم وكأننا نسليهم في حصة يفترض انهم يتلقون من خلالها معلومة مفيدة ويمارسون ما نقدمه لهم.. ان ما نفعله هو جهد ضائع لا يقدم لهم شيئا. لكن كيف؟.. يقول صاحبنا المدرس الموسيقي في بداية مهنتي حاولت ان اكسر الروتين الذي يتعلم من خلاله الطلبة السلم الموسيقي، وقلت في نفسي لأبدأ من الذائقة أولا.. اصطحبت آلة تسجيل وروائع من الموسيقى العالمية وبعض من موسيقانا الشعبية وشكلت دائرة بكراسي الفصل وجلسنا انا والطلبة نستمع لتلك الموسيقى. وبدأ الطلاب بعد كل جلسة يستفسرون وتتكاثر اسئلتهم ومنهم من قال انه لم «تعجبه تلك الموسيقى الحزينة، أو تلك التي تغلقت عليه في الفهم.. وكانت تلك الجلسات بداية رحلة في الاجابة عن اسئلة طلبتي الصغار.. وفي حصة من الحصص دخل عليّ وكيل المدرسة وقال بالحرف الواحد.. ماذا يا استاذ هل قلبتم الدرس الى صالة افراح!! يقول مدرسنا: مع العلم ان الموسيقى التي دخل عليها كانت لباخ!! على الجانب الآخر مجموعة كبيرة في حصة الرسم لا يعرفون عن الجيوكندة وعن فنانها دافنشي ولايعلمون السر الذي جعل منها تحفة فنية تباع نسخها المزورة بملايين الدولارات. في ذلك الحديث القديم كان صديقي المدرس يؤكد على اغلب الطلبة في حصص الموسيقى والرسم لاتترك لهم مساحة كافية للتعرف على المدارس الفنية، انهم لا يستمعون كثيرا ولا تقوى لديهم الذائقة البصرية وبالتالي فانهم لا يعرفون من ألوان الموسيقى الان سوى تلك التي يروجها مطربو ومطربات «الكبريهات» والنوادي الليلية. في ذلك الحديث القديم ايضا اذكر اننا انتهينا الى الاشكالات الحاصلة الان في مسألة جمهور المعارض التشكيلية وغياب الامسيات الموسيقية ذات المستوى الرفيع، ليس لدينا جمهور ذواق في هذين الجانبين، لاتوجد اعداد كبيرة تكلف نفسها عناء المسافة من اجل التذوق والتعامل مع الحس الفني المجرد من الشوائب الرائجة الان. واذكر اننا اتفقنا في النهاية على ان اسلوبية التعامل مع هذه الفنون في مدارسنا بحاجة لاعادة نظر.. فلا يكفي ان تطفيء فضول الطفل او الطالب بتعليمه معزوفة على آلة الكرديون ونفرح لانه يجيد اداءها وعلى الجانب الاخر هو لا يعرف تماما من هو اسحاق الموصلي أو باخ.