وأخيرا اكتشفنا ان في أيدينا سلاحا جرثوميا فتّاكا لم نجرب استخدامه حتى الان ضد اسرائيل التي استخدمت ضدنا كل أنواع الاسلحة المحللة والمحرمة واستعدت لنا بأنواع لم تجرب استخدامها حتى الان محتفظة بها لما يخبئه لنا ولها قادم الأيام. على مدى سنوات من الصراع اصبحنا نعّدها بالعقود منذ ان بدأ اليهود الزحف على ارض الميعاد المزعومة ونحن نسمع ان سر دعم الدول الغربية لهذه الدولة التي ظهرت كالنبتة الشيطانية في منطقتنا يكمن في اعتقاد تلك الدول ان اسرائيل هي النموذج الامثل للديمقراطية التي هي هاجس الشعوب الغربية وان دولنا بأنظمتها السياسية المتخلفة ونظم حكمها الوراثية التقليدية هي النغمة النشاز في السيمفونية التي يعزفها العالم الغربي ويهز رأسه طربا لها. وايمانا منا بأنه لا يأس مع الحياة ولاحياة مع اليأس واعتقادا منا بأن الغاية تبرر الوسيلة، وبعد ان فشلنا في اغلب معاركنا وفقدنا خلال تلك المعارك مساحات شاسعة من الاراضي اميالا بعد أميال تفتق ذهننا عن خطة جهنمية نضرب بها نظام الحكم في اسرائيل من الداخل ونخلخل اركانه لنغير تلك الصورة البراقة التي يغيظنا الغرب بها ويرفعونها في وجوهنا كلما طلبنا منهم ان ينحازوا قليلا للحق الذي نعتقد انه في جانبنا. وهكذا كان الاختراق الاول للدولة الصهيونية وانظمتها عندما تم دفع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون الى ارسال ابنه الاقرع الطويل البدين «عومري» مبعوثا الى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واصفا إياه بأنه انسان حساس وحمل وديع رغم ضخامة جثته، قائلا في معرض مديحه له: «ان آراء ابني لاتختلف عن آرائي وهو ليس اكثر اعتدالا في معتقداته وانما اكثر اعتدالا في اخلاقه وفي عرضه وتقديمه للأشياء» مضيفا انه لو استمع الى ابنه من قبل لأصبح رئيسا لوزراء اسرائيل منذ فترة. هذا الحمل الوديع المستعد لقطع مئتي كيلومتر لتصوير زهرة في النقب او رؤية فيضان صحراوي ليلا ـ كما يقول عنه والده ـ عرض نفسه والوالد غير الكريم لحملة من قبل اليمين واليسار الاسرائيلي، ودفع المستشار القضائي لرئيس الحكومة «الياكيم روبنشتاين» الى توبيخ شارون على الزج بابنه في شئون الحكم وارساله للقاء عرفات دونما صفة رسمية يحملها، واصفا ذلك بأنه «يتعارض مع الادارة المناسبة للدولة ومع ثقافة حكومية نحاول جاهدين تطويرها في اسرائيل». وهكذا نجح الفيروس الذي زرعناه في جسد الدولة الصهيونية وبدأ يؤتي ثماره على شكل خلاف تفجر حول أحقية شارون في التعامل مع الدولة كملكية خاصة، وقد اذكى المسئولون الفلسطينيون بذكاء شديد هذا الخلاف عندما قالوا انهم «لايرون شيئا غير مناسب في ارسال زعيم لشخص قريب له كمبعوث» جريا على ماهو مألوف في العالم العربي مما لا يجد معارضة من احد كائنا من كان او يثير استغراب أحد، وان حدث فعلى من يعترض او يستغرب ان يشرب من ماء المحيط وزيادة في بث الفرقة بين صفوف الاعداء علق الفلسطينيون قائلين: «ان الاسرائيليين طالما قرروا إرساله كمبعوث لأبيه فانه سيجد كل الترحيب من الجانب الفلسطيني» وفي خبث لايخفى اضافوا: «اننا نرحب به حتى لو لم يكن مبعوثا»! هذا الاستفزاز الذي مارسه المسئولون الفلسطينيون اسفر عن التماس تقدم به الى المحكمة الاسرائيلية العليا رئيس حزب ميريتس المعارض يوسي ساريد وحركة «المساواة في الحكومة» التي يؤيدها المستشار القضائي لرئيس الحكومة، وسوف تنظر المحكمة الاسرائيلية العليا هذا الشهر في الالتماس الذي يحظر على «عومري» القيام بأي مهام مستقبلية وقد أيد هذه الحملة على شارون رئيس اللجنة القانونية التابعة للكنيست قائلا: «لو أرسل عرفات زوجته لمحادثات دبلوماسية في اسرائيل فاننا سنضج بالضحك». هذه الزوبعة التي أثارها اختراقنا لنظام الدولة اليهودية بتشجيع رئيس وزرائها على تكليف ابنه الذي لا يشغل أي منصب رسمي بمهام رسمية يجب استثمارها بشكل جيد وحثّ شارون على المضي في قراره بتعيين «عومري» مديراً عاماً لمكتبه بتأكيد ارتياحنا له بعد أن أدار حملة والده الانتخابية ضد ايهود باراك بنجاح، وعدم الالتفات إلى اعتبار المستشار القضائي ذلك محسوبية واستغلالاً للمنصب. وعلينا أيضاً ان نستغل عاطفة شارون الجياشة تجاه ابنه التي عبّر عنها قائلا: «أعترف بأنني قد عرّضت عومري للخطر عندما ارسلته إلى رام الله»! ولكي تكتمل الدائرة وتنجح الخطة فنحدث ذلك الشرخ الذي نريد في صفوف الحكومة الاسرائيلية علينا أن ندخل في رأس شارون فكرة التقدم إلى الكنيست بطلب أو اقتراح بأن تعتمد اسرائيل تقويماً جديداً خاصاً بها يجعل السنة تبدأ بيوم ميلاد رئيس الحكومة الذي هو شارون على غرار الاقتراح الذي تقدمت به إحدى الصحف العربية عشية الاحتفال بعيد ميلاد رئيس الدولة التي تصدر فيها وعدم الاكتفاء بما أوصى به مجلسها الوطني عندما جعل يوم ميلاده عيداً وطنياً وعطلة رسمية، وحبذا لو أعد للاحتفال بعيد ميلاد شارون قالب كبير من الحلوى كذلك القالب الذي صنع لعيد ميلاد الرئيس العربي وبلغ قطره أكثر من متر في بلد تمنع السلطات فيه منذ سنوات صناعة الحلوى لشح الدقيق والسكر بسبب الحصار المفروض عليها. وبتصدير أفكار كهذه وبثها في المجتمع اليهودي الذي طالما رفعته في أعين الغرب ادعاءات بالديمقراطية والنزاهة والمثالية نكون قد انتهجنا سياسة حكيمة وامتلكنا سلاحاً جرثومياً غاب عنا استخدامه خلال مراحل نضالنا الطويلة ضد الصهاينة بعد أن ثبت لنا فساد جميع أسلحتنا الحربية والسلمية، فهل ننجح في تحويل ذلك الأقرع الطويل البدين «عومري» إلى قنبلة جرثومية تنفجر داخل المجتمع الاسرائيلي المهووس بتغيير رؤساء وزاراته كلما لاح من أحدهم لين أو تراخ في قمع الانتفاضة أم يثبت لنا ذلك الحمل الوديع ـ في نظر أبيه فقط ـ أنه لا يقل عن ذلك الأب دموية وشراسة، ويعيد إلى الاذهان ما فعله الوالد الحنون قبل عشرين عاماً عندما اجتاح بطائراته وبوارجه ودباباته وجنوده لبنان كي يلقي القبض على رؤوس المقاومة الفلسطينية فما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وكان الفشل في انتظاره والخيبة في ركابه؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام وإن كان قد استقر في الوجدان ذلك المثل الذي لم تقله العرب اعتباطا لنعود مذكرين بأن «من شابه أباه فما ظلم أمه» وإن كان قد بسط الظلم على أمة كاملة هي أمة العرب والمسلمين التي مازالت تنخدع لكل زنديق ارتدى مسوح الرهبان وتأمن لكل ذئب بدا في هيئة الحملان حتى ولو كان سفاحاً ابن سفاح كعومري بن شارون فيا ليت قومي يعلمون.