إلى أي مدى يصح أن نأخذ بجدلية القرارات التي تتخذها اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة؟ إن هذه اللجنة التي اختتمت آخر اجتماع لها قبل نحو أسبوع في جنيف تنعقد سنوياً بانتظام لتنظر في أوضاع حقوق الإنسان في دول العالم وتتخذ قرارات بإدانة دول وتبرئة أخرى. فهل تتخذ هذه القرارات السنوية انطلاقاً من معايير موضوعية؟ إن اللجنة تنظر في اجتماعها السنوي تقارير من إعداد مراقبين دوليين من ناحية ومنظمات غير حكومية من ناحية أخرى. لكنها تتخذ قراراتها عن طريق التصويت. وهنا بيت القصيد. فالدول الأعضاء الممثلة في اللجنة تصوت انطلاقاً من مصالحها وليس اعتباراً للمباديء الأخلاقية المتعلقة بحقوق الإنسان. إن هذه اللجنة الدولية تتكون من 53 دولة. وتبلغ مدة العضوية لكل دولة ثلاث سنوات إلى ان تحل محلها دولة أخرى يتم انتخابها بواسطة الدول الأعضاء في الإقليم الجغرافي الذي تتبع له. ووفقاً لما يجري في أرض الواقع فإن الاجتماع السنوي تسبقه اتصالات محمومة بين الدول الأعضاء على الأصعدة الثنائية والجماعية بناء على مبدأ المصالح المتبادلة فتنعكس نتائج هذه الاتصالات على مجريات الاجتماع فتصدر إدانات بشأن دول معينة وتبرأ دول أخرى دون أن يكون للمباديء والمثل العليا المتعلقة بحقوق الإنسان أي اعتبار أو تأثير. إنها بإيجاز غير مخل لجنة للمكايدات الدولية المنطلقة من عداءات مسبقة لدول ضد دول أخرى بما يجعل من المشهد السنوي كله مهزلة ومأساة في آن معاً. ولأن المصالح الوطنية الحيوية هي الاعتبار الأعظم الذي يحكم أعمال هذه اللجنة الدولية فإن مبدأ «القوي يأكل الضعيف» الذي يليق بمجتمع غابة وحيوانات متوحشة ولا يليق بتجمع بشري نخبوي على صعيد دولي هو الذي يسود اجتماعات اللجنة. ولذا فإنه كلما كانت الدولة غنية، وبالتالي قادرة على رشوة دول فقيرة أو ترهيبها، كلما كانت في موقف أفضل من غيرها لتمرير أجندتها الذاتية. يجب ألا نستغرب إذن أن هناك عددا من الدول تتكرر إدانتها من سنة لأخرى بصورة تقليدية لأنها مغضوب عليها من قبل قوى كبرى غنية. من هذه الدول ليبيا وسوريا والعراق وكوبا وكوريا الشمالية. ولسنا بصدد الدفاع عن هذه الدول فنقول ان سجل ممارساتها في مجال حقوق الإنسان نظيف. لكننا نقول ان هناك دولاً أخرى لها بالمقارنة سجل أشد فظاعة لكنها مع ذلك لا تطالها إدانة فقط لأنها غير مغضوب عليها بمعايير المصالح. وليت الأمر توقف عند هذا الحد. فالمراقبون الدوليون والمنظمات الغربية «غير الحكومية» تعمد إلى تفعيل تقاريرها وفقاً لهوى الدول الكبرى. ومن المعروف أن موظفي الأمم المتحدة عموماً وهذه المنظمات الغربية «التطوعية» ليست فوق الشبهات. إن المؤسف حقاً أن مسألة حقوق الإنسان باتت قضية مسيّسة رغم كل القرارات التي تتخذ دولياً والحملات الدعائية التي تشن بواسطة الدول الكبرى. فهي اليوم سلاح من أسلحة صراع المصالح في ساحة العلاقات الدولية يستخدم دون استحياء للإغراء أو الترهيب... كما أنه يستخدم للتغطية على أوضاع البؤس والظلم الذي يحيق بشعوب العالم الثالث. فمن المستحيل مثلاً أن تقر الدول الكبرى بأن سبب تفشي الفقر في العالم الثالث يعزى أساساً إلى عدم عدالة النظام الاقتصادي الدولي السائد. إننا باختصار نعيش عصراً غير أخلاقي.