نرجو ألا يغري الهدوء الظاهري في الشارع العربي أطرافا عديدة بالمضي في حسابات خاطئة سوف تكون لها أوخم العواقب.. فلا يمكن أن يكون الرأي العام العربي قد ارتضى التنكيل الصهيوني بالشعب الفلسطيني، ولا الاستهانة بالمقدسات والحقوق العربية، ولا يمكن أن يكون الرأي العام العربي قد وافق على حالة العجز التي يمر بها النظام العربي في مواجهة التحديات الهائلة التي تواجه الأمة في مختلف أقطارها. ولا يمكن أن يكون الرأي العام قد انتهى إلى قبول الأمر الواقع بكل ما فيه من إذلال ومهانة. ولكن أطرافا كثيرة تحب أن تقرأ ما يجري على هواها، وتفسر حالة الهدوء الظاهري في الشارع العربي كما تشاء.. فالعدو الإسرائيلي يرى أنه نجح فيما يريد وأثبت أن منطق القوة هو الذي يحكم كل شئ، وأن عدم ترجمة تفوقه العسكري والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي إلى حقائق على الأرض وهيمنة على العرب سيكون خطأ تاريخيا. وهو يتصرف بإيمان كامل أن هذه هى فرصته لفرض ما يريد على العرب الذين يراهم مجرد ظاهرة صوتية.. يتلقون الضربات فيصرخون ويحتجون، ثم تهدأ الأمور ويقبلون الأمر الواقع الجديد ويبتلعون الهزيمة ويكتفون بترديد الشعارات والأناشيد الحماسية. قراءة خاطئة للأحداث والولايات المتحدة الأمريكية في عهدها الجديد تشاطر إسرائيل رؤيتها، وتطلق يدها في التنكيل بالشعب الفلسطيني وتهديد مصر وسوريا ولبنان، وتعلن أن على الجميع أن يباركوا الحل الإسرائيلي ويعطوا شارون الفرصة ليحقق السلام على طريقته، بينما يتفرغ العرب لمحاصرة العراق وتجويع شعبه. ومن يتخلف عن ذلك فهو من المارقين وسيدخل في كشوف الإرهابيين الذين يستحقون العقاب، أو في كشوف المغضوب عليهم (الذين تقطع عنهم المعونة أو يفقدون التأييد الأمريكي فتهتز كراسي الحكم من تحتهم! والكثير من الأنظمة تتصور أن عملية تبريد المناخ السياسي الغاضب بعد اشتعال الانتفاضة قد نجحت، وأن الشارع العربي قد استرد (تعقله!!) وأدرك أن غاية ما تستطيعه الأنظمة قد فعلته.. مؤتمران للقمة، ومعونة مالية تتلكأ في الوصول لدعم الإنتفاضة قدر المستطاع، ثم بعض البيانات التي لا تقدم ولا تؤخر. والنتيجة المنطقية للقراءة الخاطئة للأحداث أن أصبح المحور الأساسي لكل التحركات السياسية في المنطقة هو: وقف العنف والعودة لمائدة المفاوضات ويبقى السؤال: أي عنف، وأية مفاوضات؟! وفي الطريق للإجابة على السؤال تختلف المواقف، وتتباين وجهات النظر. إسرائيل من ناحيتها، أعلنت حربا مكشوفة ضد الشعب الفلسطيني بعد أن حصلت على إشارة الضوء الأخضر من أمريكا، (وقف العنف) من ناحيتها يعني شيئا واحدا: إنهاء الإنتفاضة وإعلان السلطة الفلسطينية توبتها وخضوعها للاختبار لبضعة شهور، وبعد أن تحصل على شهادة حسن السير والسلوك، يسمح لها شارون بالجلوس إلى مائدة المفاوضات والتوقيع على ما سيمنحها شارون، وهو في أحسن الأحوال حل مؤقت ينفذ فيه بعض الإنسحابات، ويمنحها بعض الأموال المحتجزة في إسرائيل، ويسمح لبضعة آلاف من العمال الفلسطينيين بأن يدخلوا إسرائيل ويعملوا في خدمة الإسرائيليين وبناء المستوطنات!! وأمريكا التي انحازت للموقف الإسرائيلي جملة وتفصيلا، أعلنت أن الفلسطينيين هم المسئولون عما يجري لهم من ذبح وإبادة على أيدي الإسرائيليين ووافقت شارون على أنه لا تفاوض إلا بعد إنهاء الإنتفاضة، وعاقبت عرفات بعدم استدعائه لواشنطن إلا بعد وقف كل أعمال (العنف) المسئول عنها، وتركت الحرية لإسرائيل في أن تفرض شروطها بالطائرات الأمريكية التي تقصف معسكرات اللاجئين في غزة والضفة، وبالتأييد السياسي والدعم الكامل لموقف شارون، وبالضغط على العواصم العربية حتى (تضبط) سلوكها السياسي وتمنع دعمها للإنتفاضة، وتطالبها بالضغط على السلطة الفلسطينية لتقبل الشروط الأمريكية الإسرائيلية. العجز العربي والعواصم العربية تدرك خطورة الوضع وتخشى من تطور الأحداث، وتواجه الضغوط الأمريكية والاستفزازات الإسرائيلية، وتعلم أن استمرار الإنتفاضة سوف يشعل المنطقة، وأن استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني سوف ينقل الإنتفاضة إلى العواصم العربية، وأن تدهور الأوضاع سوف يفضح عجز الأنظمة، وبالتالي فالأفضل هو البحث عن حل.. أي حل، والمهم هو استعادة الهدوء، والمطلوب هو إيقاف العنف و.. (بلاش إحراج)! إنها النتيجة الطبيعية لعجز القمة العربية عن تقديم الرؤية العربية الكاملة التي تطالب بوقف العدوان الوحشي الإسرائيلي، وتفرض على المجتمع الدولي إرسال قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني من حرب الإبادة التي يواجهها، وتعلن شروط العرب للتسوية السياسية التي تتوافق مع الشرعية الدولية وتؤكد على استعادة كل الأرض العربية المحتلة في 67 بما فيها القدس العربية، وترهن مصالح أمريكا في المنطقة بموقف عادل من القضايا العربية. هذا العجز العربي عن إتخاذ الموقف الصريح الحاسم قاد إلى الوضع الحالي.. تصاعد في العدوان الإسرائيلي، وتصاعد في التأييد الأمريكي لإسرائيل، وتآكل في التفهم العالمي لمأساة الشعب الفلسطيني الذي يواجه بشجاعة نازية الاحتلال الصهيوني وصمت العالم وعجز العرب! وهكذا أصبحت القضية هى إنهاء العنف وليس إنهاء الاحتلال، وأصبحت حجارة الفلسطينيين هى سبب كل ما تشهده الأرض المحتلة من فظائع، واصبح إنهاء الإنتفاضة هو كلمة الإفتتاح في أي حديث مع أمريكا.. وبدأت السلطة الفلسطينية في الاستجابة بإعلان حل لجان المقاومة الشعبية تمهيدا لإتفاق (وقف العنف) الذي أثار شيمون بيريز زوبعة بالكشف عن بعض بنوده عند لقائه بالرئيس المصري مبارك رغم أنه مازال محل محادثات بين السلطة وإسرائيل. وقد يتم الإتفاق أو لا يتم، ولكنه لايمكن أن يضع كلمة النهاية لكفاح الشعب الفلسطيني الذي يدرك أن إيقاف الإنتفاضة الآن (وبالشروط الإسرائيلية) سوف يكون إهدارا لدماء الشهداء والجرحى وتضحيات الشعب الفلسطيني الهائلة، كما أنه سيكون إبحارا إلى المجهول.. أو إلى الكارثة. لقد كانت القيمة الأساسية للإنتفاضة أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى حقيقتها التي كادت تضيع وسط ضباب إتفاقيات أوسلو وملحقاتها، وألاعيب إسرائيل وتنازلات السلطة الفلسطينية أعادت الإنتفاضة القضية إلى أصلها حين جعلت هدفها الأساسي هو التحرير الكامل للأرض الفلسطينية المحتلة وليس التفاوض على مصيرها وفقا لمصيدة أوسلو وشروط إسرائيل وضغوط أمريكا. الآن.. يراد أن يكون الهدف هو إيقاف (العنف) واستعادة الهدوء والعودة للأوضاع التي كانت قبل 28 سبتمبر الماضي وكأن الفلسطينيون كانوا عندها يعيشون في أحسن حال وكأنهم ثاروا بلا سبب، واشعلوا الإنتفاضة في لحظة طيش غاب فيها العقل! ولذلك فسوف يتعاون الجميع على تحقيق المعجزة واستعادة ما كان قبل الإنتفاضة، وبعد أن يحدث. ذلك، وبعد أن يقتنع شارون أن الفلسطينيين تابوا عن المقاومة، واعتذر شهداؤهم عما سببوه من ألم لقاتليهم، وأثبتت قيادتهم الرسمية أنها قادرة على حفظ الأمن الإسرائيلي، وضمان الهدوء الذي يتمكن من خلاله المستوطنون من توسيع مستعمراتهم ومد وحش الإستيطان إلى ما يريدون من الأرض الفلسطينية المحتلة.. بعدها فقط سيتم استئناف المفاوضات.. لا من أجل إنهاء الإحتلال وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، بل من أجل ما يعرضه شارون: أي دويلة بلا سلطات مقطعة الأوصال على 42% من الضفة وبدون أي حديث عن القدس التي ستبقى للأبد عاصمة موحدة لإسرائيل، والتي أعلن الرئيس الأمريكي مرة أخرى قبل أيام أنه يستعد لنقل السفارة الأمريكية إليها!! وهم في وهم وأي قراءة واعية لما يقال عن إنهاء العنف في مناخ الغطرسة والعدوان الإسرائيلي والتأييد الأمريكي لهما تؤكد أنها لن تؤدي إلا إلى إطلاق مد يد إسرائيل في ترتيب الأوضاع داخل الأرض الفلسطينية المحتلة لتأمين السيطرة الكاملة عليها، ووأد أي طموح مشروع للتحرير والاستقلال عند الشعب الفلسطيني، وقطع إرتباطاته مع الوطن العربي، تمهيدا لخلق كيان فلسطيني أو تجمعات فلسطينية معزولة ومحاطة بالمستعمرات الإسرائيلية. وهذا هو حقيقة ما يعرضه شارون وما يحاول فرضه بالقوة الباطشة، وبالتأييد الأمريكي، وبالصمت الدولي، والعجز العربي. وقد يرى البعض في الوطن العربي في إنهاء الإنتفاضة وترك الفلسطينيين يتفاوضون أو يخضعون لشروط شارون إنهاء للوضع المتفجر الحالي وإنقاذا من الحرج الذي تسببه الانتفاضة للأنظمة العربية، وإبعادا لشبح الحرب الذي يخيم على المنطقة.. ولكن ذلك كله وهم في وهم. فالقضاء على الإنتفاضة لن يعيد الهدوء للأرض الفلسطينية، وروح المقاومة التي إندلعت لن تخمدها إتفاقات قاصرة، وكما اسقطت المقاومة الوطنية اللبنانية إتفاقات تم توقيعها بين لبنان الرسمي وإسرائيل ذات يوم، فستسقط المقاومة الفلسطينية أي اتفاقات لا تؤدي لتحقيق الأهداف الوطنية التي اتفقت عليها إرادة الشعب الفلسطيني بكل فصائله، والتي خاض في الطريق إليها طريقا صعبا لابد أن يستكمله. والقضاء على الإنتفاضة (إذا تم) لن يعيد الهدوء إلى المنطقة، لأنه سيفتح شهية حكومة السفاحين في تل أبيب، وسيقنعهم بأن القوة وحدها يمكن أن تحقق لهم ما يريدون، ويمكن أن تخضع باقي العرب كما أخضعت الفلسطينيين. وفي ظل الخلل الحالي في موازين القوة، ومع استمرار التأييد الأمريكي لإسرائيل، فإن عدوانية إسرائيل ستكون بلا حدود. والقضاء على الإنتفاضة (إذا تم) لن يزيل الحرج عن الأنظمة العربية أمام شعوبها، ولن يضمن استمرار الهدوء في الشارع العربي.. بل إن العكس هو الصحيح، فسوف تشعر الشعوب بعمق المأساة التي حدثت، وبمدى عجز الأنظمة عن مواجهة التحديات وسوف ينفجر بركان الغضب إن عاجلا أو آجلا. إن كل ذلك يجعل من الحفاظ على الإنتفاضة مسئولية عربية لا ينبغي التهرب منها أو التحايل عليها. فهذه الإنتفاضة لا ينبغي أن تتوقف قبل أن تحقق أهدافها وإلا تحول المأزق العربي إلى مأساة. هذه الإنتفاضة يجب أن تستمر وأن تتصاعد وأن تتهيأ لها كل السبل للدعم والمساندة، وعلى الأنظمة العربية أن ترفض كل الضغوط التي تواجهها لمنعها من تقديم الدعم المطلوب لهؤلاء الذين يخوضون المعركة ضد عدو سافل وعنصري يريد أن يفرض سطوته على الأمة العربية كلها. وعلى الذين يحملون الفلسطينيين مسئولية ما يحدث الآن وما تواجهه المنطقة من أخطار وأولهم أمريكا أن يتلقوا رسالة عربية موحدة بأن الاحتلال الإسرائيلي وليس الإنتفاضة هو سبب ما يحدث، وأن إنهاء الاحتلال هو الطريق إلى الاستقرار وليس وأد الإنتفاضة التي ستستمر حتى تحقق أهدافها. ولست أعلق الكثير على المبادرة المصرية الأردنية رغم ما بها من إيجابيات، لأن إسرائيل لن تقبلها إلا بشروطها، وهي شروط تفرغ المبادرة من أي إيجابية، وتجعلها مجرد تضحية فلسطينية بالإنتفاضة بلا ثمن.. وقد فعل عرفات ذلك مرة (مع الإنتفاضة الأولى) ودفع ومعه الفلسطينيون العرب الثمن فادحا، ولا أظن أنه راغب أو قادر على أن يفعلها ثانية! والموقف خطير.. وإسرائيل ستستمر في تصعيد حربها الوحشية على الفلسطينيين واستفزازاتها للدول العربية، وأمريكا ستواصل ضغوطها على العرب وإنحيازها لإسرائيل مادامت لا تسمع الكلمة التي لابد أن تسمعها من العواصم العربية، والتي تقول لها إن صداقتها على العين والرأس، ولكن مصالحها مرهونة بموقف عادل من قضايانا.. موقف يحترم الشرعية الدولية ويعيد الحقوق ويحفظ الكرامة. قولوها.. قبل أن ينفجر البركان الصامت في الشارع العربي، أو ينفلت المهاويس في حكومة السفاحين الإسرائيليين من (اللجام) الأمريكي الذي يمسكهم فيشعلوا النار في المنطقة! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية