يوماً اثر يوم تزداد قناعتي بأن كل هذه المحاولات الرسمية العربية والدولية لزج الفكرة الصهيونية في الذهنية العربية كي تتقبل فكرة (الدولة الاسرائيلية) كدولة صديقة ومحبة للسلام، ليست سوى محاولات تقتات من السراب وتبذر نفسها في قلب العاصفة، انها حرث في البحر وقبض على الريح لا أكثر! وبرغم كل محاولاتها للدخول في النسيج الثقافي والذهني والعقلي، وبرغم كل الامكانيات ووسائل المساعدة التي لا حد لها التي تحظى بها هذه الدولة المغتصبة، إلا أن احداً في المحيط العربي الشعبي على غير استعداد لتقبلها او السير باتجاهها بنية التعاون والسلام، ليس رفضاً للسلام، بل يقينا أن هذه الدولة قامت على ذهنية الالغاء واجتثاث الآخر وسرقة مقدراته والجلوس على أنقاض بيوته وأجساد شهدائه واحزان امهاته ودموع أطفاله. ان ذلك الذي سقط أمام دعواتهم وأكاذيبهم، وتبنى مشروع ترجمة الآداب العربية للعبرية مدعياً ان هذه الترجمات ستساعد في «تفتيح» الذهنية «الاسرائيلية» باتجاه فهم القضية العربية، فهي حجة لها ألف رد يدحضها ويسقطها في مهدها، ومن أجل اسقاط هذه الحجج التافهة لتبرير تهافت البعض ظهرت اللجان الشعبية الوطنية لمقاومة التطبيع مع العدو الاسرائيلي في أكثر من بلد عربي. الهدف الرئيسي هو الوقوف في وجه تيار التطبيع مع هذا العدو، التطبيع بكافة أشكاله التي توجه لاختراق المواطن العربي، ثقافياً واعلامياً وفنيا واقتصادياً طالما ارتضت الأنظمة العربية لنفسها أن تلغي مسيرة الرفض وسنوات المقاومة، وان تنسى شهداءها ومعاركها وثرواتها التي أهدرت في تاريخ الصراع مع هذا الكيان الغاصب. وحينما فكرت مجموعة مخلصة من أبناء هذا الوطن الطيب في أن تأخذ على عاتقها مهمة تأسيس (اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع مع العدو الاسرائيلي) فقد كانت تعلم تماماً دوافع الفكرة وتحدياتها وما يمكن ان يثار في طريق بنائها وتأسيسها، لكن الأفكار العظيمة تحتاج دائماً الى همم عملاقة، ونفوس قوية قادرة على حمل الأمانة باخلاص وانتماء برغم ثقلها ومسئولياتها. ومنذ اليوم الأول لاعلان تأسيس اللجنة والاتصالات لم تتوقف من قبل شرائح مختلفة من أهالي هذا المجتمع والمقيمين فيه للاستفسار وطلب الانضمام وتقديم العون والمساعدة والتعبير عن الفرح بميلاد اللجنة التي عبر عنها البعض بأنها حلم كان يراودهم وكم تمنوا ان يروه حقيقة على أرض الواقع. هل نحن بحاجة الى لجنة من هذا النوع؟ نعم نحن محتاجون جداً في مجتمعات معرضة للاختراق بشكل خطير جداً، ينسل الينا من ثقوب الباب ويطل من شاشات التلفزة وأفلام السينما وكتابات بعض الكتاب والصحفيين واللقاءات التلفزيونية وبعض المسابقات ليست الأدبية أو الصحفية أو الفنية بل وحتى المعمارية، وآخرها تسابق بعض المهندسين العرب للاشتراك في تصميم أو ترميم ساحة رابين!! ففي مواجهة واقع كالذي نراه ونرصده يومياً في فلسطين هناك شعب يدفن شهداءه يومياً، ونازيون قتلة يصبون جام حقدهم وبربريتهم على هذا الشعب وفي وضح النهار وأمام أعين الدنيا، بينما يبرأ شارون ويحيا بيريز ويصافح باراك ويشعل بعض أبناء العرب شموعاً في ذكرى وفاة رابين و... في مواجهة واقع حزين كالذي يتنفسه أهلنا هناك، وواقع صعب كالذي نواجه اختراقاته يومياً في مجتمعاتنا وواقع مخز كالذي زجتنا فيه أنظمتنا.. ليس أمامنا سوى الانضواء تحت فكرة نبيلة نتمترس خلفها جميعاً لانقاذ ما تبقى.