جاءني صوتها عبر الهاتف حزيناً.. يشكو الحرمان وقسوة الزمان.. قالت بربك ماذا أفعل وأنا الام لسبعة من الاطفال.. اثنان منهم يدرسان في المرحلة الجامعية بمسقط رأسي.. وخمسة في المراحل الدراسية الأخرى.. زوجي فقط يعمل، وانا أرعى شئون المنزل.. راتبه بالكاد يكفي لضروريات الحياة.. ولان المعيشة اصبحت دروبها قاسية.. وحياتنا الاستهلاكية المفجعة تقضي على الاخضر واليابس.. لجأنا الى البنوك لعل وعسى سلفة مالية تعيننا في قضاء حوائجنا، وتسكت البطون الجائعة.. ولم نكن ندري.. ان الدين هم بالليل وذل بالنهار وان الدموع ستجري في المآقي، كالانهار، حسرة وندماً على ما فعلنا.. ولاننا نضع الآمال الكبيرة على الصغار حين يكبرون.. كان الصبر المرّ.. فالتعليم واجب والصحة ضرورة والقيام بالواجبات تجاههم التزام.. ولكن مع بزوغ شمس كل يوم جديد تزداد الامور تعقيداً والحياة قسوة... والمعيشة صعوبة.. ولا معين لزوجي غير نفسه.. ومع تطبيق قرارات وزارة الصحة الاخيرة.. لا شيء نفعله سوى الصلاة والدعاء للمولى عز وجل ان يسبغ نعمته علينا ويحفظ الابناء من شر المرض.. ويحفظ الجيوب من زيادة الانفاق.. ويترك ما في ايادينا لمجابهة ضروريات الحياة.. كما نسأل الله ان يحول دون تطبيق مقترحات وزارة التربية والتعليم الخاصة بالرسوم الجديدة مع العام المقبل.. فقد طفح الكيل ولم يتبق سوى القليل.. ولاندري ماذا نفعل لو تم تنزيل تلك المقترحات الى أرض الواقع؟ كنت استمع اليها ولم اقل شيئاً غير كلمات تطيب الخاطر ودعوات تزيل الغمة عن نفس مهمومة لام مكلومة.. وجلت بخاطري محلقاً في عوالم أخرى.. وسألت نفسي كم واحدة مثلها تعاني.. وكم أب يجاهد دون كلل أو ملل لتأمين قوت أولاده. قد يكون الواقع مراً.. ولكن ما دفع الناس اليه اكثر مرارة.. فالذين هجروا اوطانهم وتركوا بلادهم بحثاً عن لقمة عيش هانئة مبلولة بعرق الكفاح.. وممهورة بدم النجاح، لم يدر بخلد أحدهم ان الحياة باتت أقسى، اينما يمنوا وجوههم.. وحيثما سافروا واغتربوا.. لهذا أصبح الوضع صعباً بين ما هو كائن وبين ما يجب ان يكون.. بين طموحات تشغل التفكير وامكانات تعجز عن التدبير. ولكن يبقى السؤال: هل يشعر الاطفال الصغار بما يعانيه الكبار؟ ثم ما ذنبهم وهم يعيشون في صلب حياة مظهرية، استهلاكية، يريدون فيها الاكل الشهي والدفع السخي.. والملبس الفاخر والمسكن المريح والكماليات الاخرى. كما لدى اقرانهم في المدارس والاحياء والجوار، لا يعترفون بضيق ذات اليد والامكانات المالية الشحيحة، والظروف الحياتية القاسية، لا ينظرون الى المستقبل وضرورة مواجهته بتوفير القليل من المال.. بل ينظرون الى الحاضر وضرورة تحسن الاحوال. لله دركم أيها الآباء.. والله يرعاكم أيها الابناء. آخر نقطة قال المؤرخ الانجليزي أرنولد توينبي: أسوأ ما في النفس البشرية، ان يقلد الانسان ما فعله به جلادوه مع الآخرين، بدلاً من ان يتعفف عن تكرار ما عاناه بنفسه مع غيره. ر