مسكينة هي الكلمة المكتوبة المطبوعة على الورق، فما ان تستفيق من لطمة او تصحو من ضربة فتلعق جراحها حتى تعاجلها صدمة جديدة تهز كيانها وتمس بمكانتها. لقد كانت هذه الكلمة ممثلة بالصحافة والكتب تتربع على عرش النشر الثقافي والسياسي والعلمي وحيدة لا ينافسها منافس ولا يهددها ند او خصم. وقد تحقق لها هذا المجد بفضل صناعة الورق واختراع الطباعة، وعندما ظهر الراديو وعلى الرغم من قدرته على نقل الخبر بسرعة فائقة وعلى ايصال صوته الى اداني الارض واقاصيها فإنه لم يستطع ان يخطف الاضواء ويحجبها عن الكلمة المكتوبة، لانها كانت لاتزال تحتفظ بالعديد من السمات التي لم يتمكن البث الاذاعي من مضاهاتها وبزها، ومنها على سبيل المثال، اتاحتها الفرصة للقاريء كي يرجع اليها ويتملى منها كلما عن له ذلك على بال، وفي اي وقت يشاء، اما الكلمة المسموعة فإنها تختفي بعد بثها مباشرة وتذهب مع الرياح، ولكن التلفاز كان أوفر حظا من الاذاعة، فما ان تألقت شاشته حتى بدأ العد التراجعي النسبي لمكانة الكلمة المكتوبة، ومع ذلك فقد ظلت واقفة على قدميها وبقيت صامدة، الى ان اطلت علينا القنوات الفضائية المدهشة بمناظرها الخلابة وصورها الاخاذة التي تفتن الالباب وتأخذ بمجامع قلوب المشاهدين وبقدرتها على نقلهم على بساط سحري الى بقاع نائية من الارض لم يكونوا يحلمون يوما برؤيتها. فانساق الناس الى سحر هذه القنوات، واصبحت مشغلتهم ومهوى افئدتهم وهنا اتسع الخرق على الراقع، كما يقول المثل ولم يعد بإمكان الكلمة المكتوبة ان تظل محتفظة بمجدها السابق، وان بقي لها دور مرموق في ميدان الثقافة المعمقة والدراسات المستفيضة التي لا يستطيع البث الفضائي ان يضاهيها في مجالها. وفي هذه الاثناء، كانت الثورة المعلوماتية تثبت اقدامها، وترسخ جذورها وتحقق القفزة تلو الاخرى فاصبح عالمنا يموج بالمعلومات التي تنهال عليه من كل فج عميق، واضحى الحاسوب الشخصي في المتناول، واخذت المعارف تتدفق من شبكة الانترنت كنهر حبست مياهه ثم افرج عنها. عتبة جديدة وفي افتتاحية مجلة «العربي» لعدد يناير من عام 2001 بشر رئيس تحريرها الدكتور سليمان ابراهيم العسكري بقفزة معلوماتية جديدة تسمى شبكة «طريق المعلومات السريع» الذي يتوقع تطبيقه خلال السنوات القليلة المقبلة. وبفضل هذا الطريق سيكون بمقدور اي انسان الحصول على اية معلومات يربدها بواسطة جهاز الحاسوب المتوافر لديه، ومن خلال شبكة ستربطه بمكتبات الكترونية ضخمة من المراجع والموسوعات والكتب والدوريات ومختلف ضروب المادة المنشورة وغير المنشورة. وربما يكون الأهم من كل ما سبق، وقوفنا على عتبة قفزة جديدة مثيرة من قفزات ثورة المعلومات والمتمثلة بالنشر الالكتروني الذي يمكن بواسطته نشر المعارف المختلفة ونقلها الى المتلقين دون الحاجة الى استخدام الورق. فماذا يعني هذا التطور بالنسبة للصحافة والكتب ولتجارة الورق بالذات؟ وهل بات علينا ان ننعي الكلمة المكتوبة الورقية ونقول وداعا للمطابع؟ في اعتقادي انه سيكون للتطورات المعلوماتية الجديدة تأثيرها الواضح في هذا المجال، ولكن الى حد معين فقط، فهل افلح التلفاز في انهاء دور الراديو؟ وهل استطاع الهاتف النقال، القضاء على الهاتف السلكي التقليدي؟ وهل تمكن البريد الالكتروني من ازاحة البريد العادي واحتلال موقعه؟ وهل يحتمل ان يحل الحاسوب المحمول، محل الحاسوب الشخصي الثابت؟ سلبيات وايجابيات يبدو لي ان الصورة نفسها سوف تتكرر بالنسبة للنشر الالكتروني الذي سيؤدي دون ريب الى الحد من كمية المطبوعات الورقية، والى اضمحلال صناعة الورق، على المدى البعيد جدا، الا انه لن يلغي دور هذه المطبوعات بحال من الاحوال، لأنها تحظى بمزايا تجعل من المستحيل الاستغناء عنها. ومن بين هذه المزايا جاهزيتها الدائمة، فنحن نراها على الرفوف، وفي الواجهات، وعلى ارصفة الشوارع، ونستطيع الاطلاع عليها في الطريق، او على ضفة النهر، او في الباص. كما اننا نفخر باقتنائها في مكتباتنا. وفي كثير من الاحيان نراها تأتي هي إلينا، بدلا من اضطرارنا للذهاب اليها. اما النشر الالكتروني فليست له هذه المزية العملية وسهولة الاستخدام، فهو يحتاج الى حاسوب وتخصص معلوماتي واسطوانات واقراص. كما انه لا يأتي الينا بسهولة، بل نحن الذين نبحث عنه. ومع ذلك، فان هذا النشر يفتح امام الثقافة العربية افاقا جديدا للتلاقح والتواصل والتمازج مع الثقافات الاخرى. كما انه يتيح للمشاهدين من شتى انحاء العالم ان يطلعوا على منشوراتنا الثقافية. ويحق لنا الآن ان نتساءل عن تأثير النشر الالكتروني على المردود الاقتصادي والمالي لصحافتنا العربية. ويختلف هذا التأثير حسب طبيعة الدورية. وعندما يطلع المتلقون على دورية ما ويقرؤونها على شاشات الانترنت، وهي منشورة بالطريقة الالكترونية، فانهم لا يحتاجون الى شرائها. وهذا من شأنه ان يضر بمصالح الدوريات الخاصة التجارية التي تهدف الى الربح. لذلك ليس من مصلحة مثل هذه الدوريات ان تعرض مضموناتها بهذه الطريقة، الا اذا تقاضت رسوما مالية لقاء ذلك. اما الدوريات الرسمية الحكومية التي تهدف الى نشر الثقافة، وتعميم المعرفة، فان من مصلحتها ان يطلع اكبر عدد من الناس على مضموناتها ومادتها المنشورة، بواسطة الكمبيوتر، فهذا يحقق غايتها الاصلية المتمثلة في ان التثقيف والتعليم والتوعية، هي من واجباتها الوطنية. وهكذا، فان لكل طريقه من طرق النشر، ولكل وسيلة من وسائل الاعلام، ايجابياتها وسلبياتها، ومن الصعب الافتراض ان أياً منها، ستأخذ في يوم ما مكان الاخرى بصورة كاملة وحاسمة. ومن هنا، وعلى الرغم من كل مزايا النشر الالكتروني، ولا سيما قدرته على اتاحة الفرصة للمتلقي، كي يستمتع في اثناء القراءة، بتسهيلات مساعدة وترفيهية مثل سماع الموسيقى التي تتناغم مع طبيعة النص فانه لن يستطيع ان يلغي دور المطبوعات الورقية التي يسهل العثور عليها، وتتوافر في كل مكان تقريبا. ـ كاتب سوري