ليس بوسع أي عاصمة عربية أن تدعي الآن أنها لم تدرك بعد كنه و«ميكانيزم» اللعبة الشارونية ذات الطبيعة الازدواجية، ومع ذلك فإن النجاح المتصور اسرائيليا لهذه اللعبة الذكية يعتمد ضمن ـ عناصر أخرى ـ على مشاركة عربية مفترضة. الطبيعة الازدواجية للعبة بسيطة: ان يكون الفعل الميداني على الأرض شيئا بينما يكون القول في المجال الدبلوماسي شيئا آخر هو نقيضه تماما، وذلك في اطار خطة استراتيجية مقررة سلفا، وهذا بالضبط ما ظللنا نشاهده يوميا لمدى الأسابيع الأخيرة منذ تولي ارييل شارون السلطة، فبينما تواصل آلة الحرب الاسرائيلية في الأرض الفلسطينية عمليات القصف والاقتحام والاغتيال دون توقف، يتحدث مساعدو شارون في محافل دبلوماسية ووسائل إعلامية عن السلام ولا يتحرجون في هذا السياق عن اطلاق معلومات كاذبة عن «فك الحصار» عن المدن الفلسطينية و «السماح» لآلاف من العمال الفلسطينيين بعبور الحدود للعودة إلى أعمالهم داخل اسرائيل، ووفقا للخطة يقف شارون في خلفية مظلمة وهو منهمك في توجيه آلة القمع القتالية واصدار الأوامر إلى القادة العسكريين، بينما يحرص وزير خارجيته بيريز على أقصى حد من الظهور في البؤر الضوئية ليخاطب العالم وخاصة عواصم الغرب بلسان المهادنة، ووفق تقسيم الأدوار هذا نرى فن العلاقات العامة يحاول التغطية على مشهد الواقع الميداني. لكن بدون البعد العربي تكون الخطة غير مكتملة، وبالطبع فإن هذا النقص لم يغب عن بال شارون، ومساعديه وهم يخططون، فالمطلوب اسرائيليا من العرب (بمن في ذلك الفلسطينيون) ان يدخلوا من حين لآخر في اتصالات دبلوماسية مع الطرف الاسرائيلي، مما يخدم أهداف اللعبة الازدواجية باعطاء انطباع زائف إلى العالم بأن اسرائيل جادة في دعواها إلى السلام مع العرب، بينما يتواصل القمع الوحشي على الأرض بهدف حسم القضية بالوسائل العسكرية وحدها. والسؤال الذي يجب ان يطرح يتكون من جزأين: أولاً: هل تبني الحكومات الغربية وخاصة الولايات المتحدة سياساتها ومواقفها تجاه الاشتباك الدموي بين الفلسطينيين والقوات الاسرائيلية على أساس الانطباعات الدعائية وحيل العلاقات العامة؟ ثانيا: ألا تدرك القيادات الفلسطنيية والعربية ان الاتصالات التي تجريها مع حكومة شارون تتيح لاسرائيل الظهور عالميا بمظهر الحرص على السلام بينما هي تضمر نقيض ذلك؟ ان دول الغرب أبعد ما تكون عن السذاجة لكنها مع ذلك ترحب بالحيل الدعائية الصادرة من اسرائيل لأن هذه الحيل بتأثيرها على القطاعات الجماهيرية في الغرب تجعل من السهل على الحكومات الغربية تبرير سياستها المتحيزة لصالح دولة احتلالية تفرض سيطرتها بقوة وحشية على شعب يناضل من أجل التحرر الوطني. كذلك من الصعب ان نفترض ان القيادات الفلسطينية والعربية ساذجة، ومع ذلك فإن الأفضل في ظل الظروف الصعيبة الراهنة اعطاءها «فائدة الشك» كما يقول القانونيون. لقد انكشفت اللعبة الازدواجية الشارونية تماماً أمام الجماهير العربية بحيث يصعب الآن على أي قيادة عربية ادعاء عدم ادراك مراميها وعليه فإن من المأمول ان تتغير سياسات عربية. وبافتراض ان هذا التغيير ممكن فإن المطلوب منا عربيا عدم الاقدام على اجراء أي اتصال مع الحكومة الإسرائيلية إلا من منطلق الانحياز الكامل المطلق لشعب تحت الاحتلال وبالتالي مخاطبة اسرائيل كدولة احتلالية لا يجوز اطلاقا مهادنتها.