قتل ناجي العلي قبل أربعة عشر عاما. وعاش الاعلام العربي طوال هذا الزمن يحيي ماضيه الحاضر، كلما مرت مناسبة أو وقعت مصيبة في هذه الامة ـ وما أكثر المصائب التي تبتلى بها ـ عادوا الى ناجي يقدمون قديمه. ظلت صورة الشهيد وخيال حنظلة يسكنان جماهير هذا الوطن. الوطن العربي العريض، وخارجه اينما اغترب وهاجر هذا العربي. أربعة عشر عاما وناجي معه يسكن القلب، وهذه حالة نادرة ان تعيش الذاكرة كل هذا الزمن عند الانسان العربي، فلا أحد مثله ينسى بسرعة، إلا أنه مع ناجي رفض النسيان، فالطريقة التي مات بها وحياته التي لم تكن سوى لوحة يتيمة رسمها وكرر رسمها، جعلاه جزءاً من الخوف والغضب والخيانة والحق المسلوب، بعض من الوجع المحفور في قلب هذا الانسان. امس في يوم الجوائز، عندما اعلنت نتائج جائزة الصحافة العربية في رسم الكاريكاتير، حضر ذلك الشهيد الاستاذ في ذاكرة الناس، وجاءت الاعمال الفائزة ضمن المدرسة التي قدمها، الصامتة التي تتحدث من غير كلمات في الوجع العربي، عن هم الأمة المتجدد. خرج الأستاذ طلال سلمان رئيس تحرير «السفير» ضيف الشرف الذي قدم الجائزة عن التقليد المتبع، واقترب من الميكروفون ليتحدث، ولم تكن سوى كلمات قصيرة، مؤثرة، قالها هي الى روح ناجي العلي، وكذلك فعل الفنان حامد عطا الفائز بالجائزة مناصفة، تذكر الشهيد في لحظة الفوز. ومن المكاسب التي حققتها جائزة دبي للصحافة، هي فكرة منتدى الاعلام العربي الذي شهد حضوراً ونقاشا، لم تتعوده الساحة الاعلامية العربية بهذا الوضوح والشفافية والزخم. فرصة التلاقي كانت بادرة تركت أثراً وامتناناً عند كل من حضر هذا التجمع. مكان يضم الاساتذة مع بعضهم من مدارسهم المختلفة، ويقرّب تلاميذ الصحافة الجدد منهم، ويسمح لهم بالتحاور المباشر وسماع بعضهم عن قرب من غير حواجز الكلمات المرسومة على الورق، التي تعودوا ان يتواصلوا من خلالها، يفضون بالاسرار والاشكالات والعقبات والملاحظات على الانظمة والزملاء في المهنة وفي أمور الحياة. قد يكون لقاء نادراً هذا الذي يجمع صحفياً عربياً مهاجراً وساكن استراليا بزميله في المانيا، وثالث من بريطانيا ومن كل قطر عربي، جميعهم في مكان واحد وهمّ واحد. ما طرحه المحاضرون والحاضرون في ورش المنتدى من قضايا وموضوعات سبق ان قيل وكتب فيها الكثير ان صفحاتها بطول الوطن وعرض السنين المرة التي مرت عليه، انها استمرار لهمّ عربي مزمن ومتجدد مثل قضية الحرية الصحفية، والصورة المثلى للتحاور، وأمر التعامل مع التكنولوجيا وموقعنا نحن العرب منها. جديد المنتدى هو ان يتحدث الوزراء، وزراء الاعلام، وهذه المرة من غير دبلوماسية ورسميات وعبارات فضفاضة محفوظة مملة ارتبطت بالاعلام الرسمي العربي. ثلاثة وجوه شابة، من الامارات والاردن ولبنان، تحدثوا بشفافية ومصارحة وتفاؤل كبير، قد يكون وزير الاعلام الاردني الدكتور طالب الرفاعي عبر عنها بصورة دقيقة في قوله لم يكن متصورا ان يكون مثل هذا الحديث قبل عشرين أو عشر سنوات. وزير يطرح رأيه ورؤيته في وزارة الاعلام، ينتقد واقعها وتكون نظرته اشمل وابعد ضمن عالم مفتوح يفرض التغيير، وفي ضرورة النظر للمستقبل، وعن كيفية تعامل السلطة مع الشعب. سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام والثقافة اشار في كلمته لذلك عندما قال: على الحكومات ان تقبل بأنه لم يعد جائزا ان تمنع النقد الموضوعي لأية جهة، هذه هي الوسيلة التي تساعد على تطوير المجتمع ومؤسساته، وان النوافذ مفتوحة على مصراعيها للتدفق الحر للاعلام ومحكوم بالفشل على اولئك الذين يرغبون في اغلاقها مجددا. وحدد وزير الاعلام اللبناني غازي العريضي المشكلة التي يعاني منها الوطن العربي بوضوح، اعلامنا قاصر ويجب ان نعترف بذلك ويجب بالدرجة الأولى امتلاك الرؤية، ولا يمكن للاعلام الحكومي أو الخاص ان يتطورا الا بهامش واسع من الحرية. وقدّر وزير الاعلام الاردني المتلقي العربي: حقيقة ان المواطن العربي مواطن ذكي ويجب احترام عقله. وانه كما ذكر الاستاذ تركي السديري رئيس تحرير «الرياض» لم يعد بالامكان في هذا العصر تحصين ذاكرة المواطنين ضد الفضاء المفتوح حيث تطرح وتتداول الحقائق على مستوى عالمي. هذا التحاور، وهذه اللغة الجديدة التي هي نضال وحلم وهاجس الزميلات والزملاء طوال الزمن الماضي، تحتاج الى ثبات وتوسيع وطرق متواصل على هذا الباب حتى تزداد فسحة الدخول والنقاش. حق ان يعرف القاريء العربي الحقيقة وان يصدّق اعلامه، لا أن يتشكك في ذلك، ويبحث عن المصداقية عند آخرين، يمكن ان يقدموها له ومعها تشويش أو أهداف وغايات، وحق المعرفة مرتبط بدرجة الحرية. فمطلب الحرية الاعلامية هو السبيل نحو إيجاد جيل واع يبني غد هذه الامة، من غير عقل معافى مستنير لايمكن أن ننهض ونصل، لن يكون لنا مستقبل في هذا العالم الحر.