تعيش السياسة الامريكية الخارجية تجاه الشرق الاوسط في هذه المرحلة وضعا انتقاليا. وتمر بنفس الوقت في حالة من حالات الفراغ المحدود، وذلك لحدة الصراع الواقع في الادارة الامريكية بين اتجاهين رئيسيين الاول، في البنتاجون الامريكي بشخصياته الرئيسية الجديدة واجواءه الهجومية، والثاني في الخارجية الامريكية حيث الوزير باول الأميل للدبلوماسية الهادئة في التعامل مع كل الملفات. ان الصراع المفتوح اليوم بين الاتجاهين هو صراع طبيعي يمثل اجنحة في الحزب الجمهوري، وهي صراع يمثل تحالفات واسعة ومصالح انتخابية وصلت الى الحكومة الامريكية مع الرئيس الجديد. ولكن الرئيس الجديد لم يحسم امره بعد. اذ نجده ينتظر تبلور وجهات النظر من قبل جميع التوجهات قبل ان يقرر طبيعة السياسة الجديدة المعتمدة. بمعنى اخر تنتظر السياسة الامريكية تغيرا بعد المراجعة الراهنة، ولكن الشكل الجديد للسياسة الجديدة تجاه منطقة الشرق الاوسط لن يخرج بوضوح قبل شهر أو اكثر من الآن. على نار هادئة وتسمع في العاصمة الأمريكية الكثير من النوادر عن البيت الابيض وسياساته الشرق أوسطية خاصة رغبة الرئيس بوش في عدم التدخل في الشرق الأوسط. ويذكر أكثر من مسئول سابق هذه الايام بمواقف الرؤساء نيكسون وكارتر وريجان وبوش واخيرا كلينتون في بداية عهودهم، وكيف انهم جميعا تركوا الشرق الاوسط لفترة من الزمن قبل ان ينفجر امامهم الوضع مما اضطرهم للتدخل المباشر. بل يذكر البعض بمواقف سابقة لوارين كريستوفر وزير خارجية الرئيس السابق كلينتون الذي اكد في اوساط حزبية وسياسية عديدة انه سوف يضع الشرق الاوسط على نار هادئة ولن يتدخل كما فعل فريق الرئيس بوش. لكن كريستوفر واجه عدة صدمات شرق أوسطية اضطرته لزيارة الشرق الاوسط ثلاثين مرة مما ادى الى اهمال مناطق اخرى في العالم، بمعنى اخر امريكا والعرب في علاقة لن تنتهي من الحب والكراهية والصدام والتوافق، وهي علاقة تعززها الصراعات العربية الاسرائيلية والعربية العربية، ومخاطر الاقليم، واهمية النفط واهمية اسرائيل للوضع الداخلي الامريكي. وتنهمر على العاصمة الامريكية الكثير من الاراء والاقتراحات والتوجهات. فهناك ضغوط كبرى تمارس في هذه الفترة على الادارة الامريكية لأخذ موقف هنا او موقف هناك. الجميع يضغط بطريقته وذلك قبل تبلور السياسة الجديدة تجاه الشرق الاوسط بخصوصيتها التي لا تضاهيها منطقة اخرى في العالم بالنسبة للسياسة الامريكية الخارجية. فكما تنشط توجهات لها رأيها الخاص بكيفية التعامل مع العراق او مع القضية الفلسطينية او حتى مع ايران وليبيا ودول الخليج، الا ان نشاط التوجهات والمؤسسات والمنظمات اليهودية لا يصل لمرتبته نشاط. ففي كل شيء مرتبط بالشرق الاوسط من النفط الى الأمن، ومن الخليج الى القضية الفلسطينية لهذه الجماعات رأي واضح، واقتراحات محددة، وتوجهات ثاقبة، وتأثير كبير. ويبقى هدف الجماعات اليهودية التأكد بأن السياسات الجديدة لن تساهم في تعريض امن اسرائيل لمخاطر مستقبلية او اضعافها او التعامل مع العرب على حسابها. سياسة حائرة ولكن ما هي طبيعة السياسة الامريكية المتوقعة في المرحلة المقبلة تجاه القضية الفلسطينية؟ في هذا المجال سوف تسعى السياسة الامريكية لاحياء التفاوض، ولكن هذه المرة وسط طموحات اقل في تحقيق سلام دائم وحل نهائى بين الاسرائيليين والفلسطينيين، فهناك قناعة امريكية الآن مفادها ان ما قام به كلينتون كان الحد الاقصى الممكن للوصول لحل نهائي، وانه في المستقبل يجب عدم التورط الامريكي المباشر في فرض حل نهائي الا اذا اتفق الطرفان على هذا الامر بدون ضغوط امريكية حاسمة. وسوف يكون اتجاه الولايات المتحدة ايضا هو التركيز على سوريا ومحاولة تحقيق سلام دائم سوري ـ اسرائيلي. وتسود العاصمة الامريكية احاديث عن امكانية تعيين منسق للسلام قد يأخذ امر السلام الى احياء التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي وايضا التفاوض الاسرائيلي السوري ثم اللبناني. ومع ذلك لن تكون السياسة الجديدة وبطبيعة الحال معادية لاسرائيل، ولكنها لن تكون مجارية لاسرائيل في كل شيء، وسوف يكون هناك احيانا خلاف امريكي اسرائيلي، وقد يصل للحد الذي تحاول الادارة الجديدة ان تبدو منصفة تجاه الطرفين العربي والاسرائيلي. بمعنى اخر لا فصل في العلاقة الاستراتيجية بين اسرائيل والولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، ولكن قد يتوفر فصل تكتيكي حول بعض التوجهات والمواقف مما يسمح بالتأثير على بعض المواقف الاسرائيلية. منحى وسط اما عن العراق فسوف تتضح ملامح العقوبات الذكية، والتي تتلخص برفع العقوبات عن العراق في المجال الاقتصادي والتجاري وفي مجال السفر وغيره مع ابقاءها في المجال العسكري والأمني. ولكن السؤال امام السياسة الامريكية كيف ستطور مبدأ العقوبات على النظام العراقي في قضايا السفر للمسئولين العراقيين وفي قضايا المحاكمة، وفي قضايا تغير النظام كما تطرح بعض الاوساط الامريكية؟ اذ يبدو ان هذه الامور ستواجه مصاعب كبيرة، وان السياسة الامريكية سوف تعود لمبدأ الاحتواء مع محاولة دعم المعارضة العراقية في الشمال وزيادة الضغط المعنوي على النظام العراقي، ورفع درجة التنسيق مع دول مجلس التعاون والدول الصديقة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط. وقد تدخل ايران في المعادلة الامريكية ايضا وذلك من خلال افاق التحاور مع المعارضة العراقية الموجودة في ايران. اذن بين الاحتواء وبين سياسة تغير النظام سنجد ان السياسة الامريكية ستأخذ منحى وسطياً يقوم على جدية اكبر في الاحتواء وجدية اكبر في الضغط على النظام العراقي. مع التخلي عن معظم العقوبات التي اثرت على الشعب العراقي بشكل مباشر، ومع محاولة استبعاد الالتزام بسياسة عسكرية تسعى لتغير النظام في العراق. ومع ذلك علينا ان ننتبه بأن الصراع بين اتجاهين في الادارة الامريكية لن يختفي بمجرد ان تعتمد الادارة الامريكية سياسة علنية جديدة. فهو صراع سوف يعود مرة ثانية للبروز في حال وقوع منعطفات كبرى وحاجة الرئيس بوش للمشورة والرأي الحاسم. وهذا الامر ينطبق على الحالة العربية الاسرائيلية كما ينطبق على الحالة العراقية. بمعنى اخر وعلى الاخص في الملف العراقي سوف نجد ان الرئيس العراقي صدام حسين سوف يقرر أي من الاتجاهين سوف تتعزز قبضته في الولايات المتحدة. فان قام بعمل كبير ذو طابع هجومي فهو بطبيعة الحال سوف يفتح الباب واسعا للذين يقولون بضرورة وحتمية دفع الثمن الكبير لتغير النظام وتوجيه ضربات قوية للنظام العراقي. اما اذا استكان الوضع العراقي ولم تبدو هناك مؤشرات للعودة لبرامج الاسلحة الكبيرة الا في المجال الكلامي فسوف تتعزز مدرسة كولن باول التي تسعى للتهدئة. اما في الحالة الفلسطينية الاسرائيلية فان وقعت اعمال تفجيرية كبيرة في اسرائيل فسوف تقوى الاتجاهات التي ترى اعطاء اسرائيل مزيدا من الضوء الاخضر في الرد، ولكن في حالة تحول الانتفاضة نحو وسائل كفاحية اقل عنفا وفي حالة مزيد من الاحراج للسياسة الاسرائيلية الهجومية على الفلسطينيين فسوف تجد الادارة الامريكية انها في موقف ادانة اسرائيل كما حصل الشهر الماضي عندما صعدت اسرائيل العنف ضد الفلسطينيين. ـاستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت