إذ كنت أبحث عن شيء في أرشيفي الشخصي لفت انتباهي نسخة مصورة من مقالة كتبتها باللغة الانجليزية عام 1988 ونشرت بصحيفة «جلف نيوز» التي تصدر في دبي. كانت مقالة تحليلية عن الجزائر. وعندما أعدت قراءتها الآن على خلفية ما يجري حاليا من غليان شعبي في الشارع، خاصة في اقليم «القبائل» عجبت من وقع الحافر على الحافر. الليلة هي البارحة. فالعوامل التي دفعت بجماهير الشعب الجزائري للخروج الى الشارع وممارسة الغضب في الربع الأخير من عام 1988 هي نفس العوامل التي تحرك غضب الشارع اليوم: انتشار البطالة بين الشباب وتصاعد جنوني بوتائر يومية في الغلاء وأزمة القيمة الشرائية للعملة الوطنية.. وكل ذلك على خلفية بروز شريحة من المليونيرات بل والمليارديرات الجدد يتحالف معها رموز السلطة الكبار. والمشهد كله يقف وراءه ويحركه من وراء ستار صندوق النقد الدولي يفرض على السلطة خصخصة مئات المؤسسات الاقتصادية الحكومية واعتماد سياسة ثابتة للتقشف في الانفاق الحكومي على خدمات الصحة والتعليم والاسكان مع السخاء في الصرف على مشتريات السلاح خارجيا وتطوير اجهزة الأمن داخليها. في عام 1988 كانت الشرارة التي اشعلت الغضب الجماهيري هي اعلان قرار حكومي بزيادات جديدة في اسعار الضروريات كالخبز والبنزين. اما الآن وبعد 13 عاما من تراكمات الضغوط المعيشية وظهور شريحة المليونيرات والمليارديرات الجدد الذين اثروا من عمولات الخصخصة وتجار العملات. والاستفادة من احتكارات في تجارة الاستيراد اقيمت بواسطة رموز في السلطة، فان تفجر الوضع في الشارع لم يعد بحاجة الى شرارة. هو اذن ليس غليانا ايديولوجيا كما تحاول ان تصوره السلطة رغم انه تفجر في اقليم «القبائل» الذي يطالب سكانه من أقلية البربر بصورة تقليدية بالاعتراف بخصوصية لغتهم الامازيغية وثقافتهم بدليل ان الغليان امتد الى الجزائر العاصمة. ورغم أن احداث 88 تولت قيادتها «جبهة» الانقاذ الاسلامي» فان احداث اليوم فاجأت القيادات الاسلامية نفسها. يقول حسين ايت احمد رئيس «جبهة القوى الاشتراكية» وهي تنظيم علماني يمثل «مع تنظيم اخر» قومية البربر: «نخشى في هذا الوقت ان تلجأ السلطة الى اثارة قضية الهوية للتغطية على الوضع العام الذي يعيشه الشعب الجزائري وسط الفقر المتزايد». الغليان اذن له عوامل اقتصادية موضوعية محددة تطال قطاعات الشعب الجزائري كله، يستوي في ذلك الاسلامي مع العلماني واغلبية اصحاب الهوية العربية مع أقلية اصحاب الهوية الامازيغية. والموقف على هذا النحو يتطلب من السلطة اتخاذ تدابير ذات طبيعة اقتصادية. لكن البيان الرئاسي الرسمي الذي صدر بشأن الاحداث يصور الوضع وكأنه شكوى ايديولوجية بشأن الهوية لأقلية من المواطنين.. ومن ثم يذكر البيان ان السلطة قررت تشكيل لجنة تحقيق في هذه الشكوى. ماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة ان السلطة قررت أن تتفادى تماما مخاطبة القضية الاقتصادية الجذرية تحسبا من الانزلاق على طريق يفضي بها أولا الى صدام داخلي مع قوة رأس المال المحلي وثانيا الى صدام مع القوى الغربية التي يمثل صندوق النقد الدولي رأس حربتها. ولذا فان الازمة مرشحة للبقاء والتفاقم. وحتى ان تمكنت السلطة من لجم الشارع أمنيا فان الازمة سوف تتجدد طالما بقيت سياسة الخصخصة سارية المفعول، وظلت الدولة تخصص نحو 90 في المئة من عائداتها المالية الضخمة السنوية من صادرات النفط والغاز لمؤسسات الغرب المالية على سبيل مواصلة سداد ديون خارجية لا تنتهي.