من الأقوال السائدة والمعروفة أن رأس المال لا وطن له، وانه ينتقل من وطن إلى آخر بحثا عن تحقيق اكبر قدر ممكن من الارباح، بل انه لا أيديولوجية له وان كان يخاف من الأنظمة الشمولية، التي تعتبر تاريخيا عدوة حقيقية لرؤوس الأموال، لكنه حين يطمئن الى نظام من الأنظمة حتى لو كان نظاما يرفع شعارات الماركسية في أقصى تجلياتها فانه لا يتوانى عن الزحف نحو ذلك المكان، ومن ينظر حوله اليوم ويشاهد رؤوس الأموال الغربية التي تستثمر في بلد مثل الصين يمكنه أن يقتنع بتلك المقولة: رأس المال لا وطن له . لكن أن تنتقل عدوى الاستفادة والتنقل بين الأوطان أو الأيديولوجيات إلى البشر فتلك المسألة غير واضحة وعصية على التفسير أو القبول، خاصة إذا قام أحدهم بالانتقال من طرف إلى طرف تحقيقا لفائدة شخصية، ولكن دون الوقوع في حبائل الدجل الذي يحاول من خلاله اقناع الناس بأنه يفعل ذلك من اجل الوطن . قام الكاتب البيرواني الشهير ماريو باجاس يوسا بالانتقال من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين بحثا عن ترشيحه لرئاسة بلاده، وقبل أن يكون الماركسي السابق في خدمة الإقطاع وأصحاب رؤوس الأموال من اجل الوصول إلى السلطة والعمل بالطبع لصالح هؤلاء الذين مولوا حملته الانتخابية، وعندما فشل في الوصل إلى السلطة تحقيقا لطموحاته الشخصية انقلب على الجميع وغادر الوطن بحثا عن فوائد أخرى يجنيها في أي مكان، فهجر بلاده إلى إسبانيا طلبا لجنسيتها لعله يحقق من خلالها شيئا. وعندما وصل بارجاس يوسا إلى تحقيق حلمه بحمل الجنسية الإسبانية قاد حملة جديدة عبر صداقاته الإعلامية حتى احتل مقعدا في المجمع اللغوي الإسباني، وحصل على اكبر الجوائز الأدبية الإسبانية، وهي جائزة ثرفانتيس التي تعتبر بمثابة جائزة نوبل لكتاب اللغة الإسبانية. وطأة الأزمة ونموذج بارجاس يوسا ليس غريبا على أمريكا اللاتينية التي تدهش العالم بفنونها التي تتعدى مراحل الحيل الفنية جميعا، بل هذا النموذج موجود في كل مناحي الحياة، ولكن عندما يتعلق هذا الأمر بالعمل العام يصبح من الصعب التعامل معه بشكل منطقي، حتى لو قبلت شعوب تلك البلاد تلك الانقلابات الغريبة كجزء من تشكيلها النفسي القادر على إدهاش العالم بكل غريب في جميع مناحي الحياة. كانت الأرجنتين مسرحا لآخر تلك التقلبات المدهشة التي يمارسها البشر هناك، وبطل آخر تلك الانقلابات الغريبة وزير المالية السابق الحالي، ووصفه أمر محير، انه الوزير دومينجو كافالو، او السوبر وزير الذي لا يستعصي عليه شئ في الاقتصاد الأرجنتيني المنهار، فقد كان يساريا يؤمن بنظريات الاقتصاد الموجه، ولكن حين أتاح له الرئيس السابق كارلوس منعم الفرصة لتنفيذ أفكاره قرر، تحت وطأة الأزمة التي كانت تعصف بعملة بلاده، وهوس تحقيق النجاح إلى تطبيق نظريات الاقتصاد التي تنتمي إلى أقصى اليمين في عالم الرأسمالية. كان أول من وضع موضع التنفيذ نظريات السوق الحرة بالاتفاق مع رؤوس الأموال الكبرى المهاجرة بحثا عن الأرباح التي وجدت فيه ضالتها المنشودة لدخول السوق الأرجنتينية المترامية الأطراف المتعطشة للاستثمار، ووجد هو في رؤوس الأموال الحليف الذي يمكنه من تحقيق أحلامه في الشهرة، وطرح اسمه كبديل سياسي لرئيسه كارلوس منعم. نجح كافالو في تطبيق قناعاته الجديدة بمساعدة رؤوس الأموال الأجنبية التي فتح أمامها الأبواب جميعا دون عوائق، ونهض الاقتصاد الأرجنتيني من كبوته، لأنه اقتصاد صلب لا ينقصه سوى الثقة في النفس والاستثمارات الأجنبية بعيدا عن الفساد. ولان الرئيس كارلوس منعم شخصية تقترب كثيرا من شخصية كافالو من ناحية الطموحات الشخصية التي لا ترى في الأوطان إلا مطية للوصول إلى السلطة والجلوس عليها ما استطاعت من زمن حدث الصدام الذي لم يكن منه بد. تخلص منعم من وزيره ونسب كل نجاح تحقق في مجال الاقتصاد إلى نفسه، وتجرأ على الادعاء بأن البلاد في حاجة إليه لفترة طويلة من الزمن لتنفيذ المزيد من الإصلاحات الاقتصادية، على الرغم من أن دستور البلاد يمنع هذا بوضوح شديد من خلال النص على فترة رئاسية واحدة. شهر العسل الاستثماري وبما انه لا يعرف أحد من الذي وضع الاقتصاد الأرجنتيني في مكانه الصحيح، وان فترة شهر العسل الاستثمارية التي كانت تقضيها رؤوس الأموال الأجنبية لم تقارب على نهايتها، صوت الشعب الأرجنتيني على تغيير الدستور ومنح منعم الفرصة للتمتع بالسلطة لعشر سنوات كاملة . لكن قبل أن تنتهي الفترة الثانية للرئيس منعم، كان شهر العسل الاستثماري قد قارب على الانتهاء، إضافة إلى أن رؤوس الأموال الأجنبية كانت قد فقدت حليفها المتمثل في الوزير دومنجو كافالو، فقررت أن تنسحب إلى أسواق أخرى بعد أن حققت ما تريد من أرباح في دورة اقتصادية محسوبة، وتركت الرئيس منعم يواجه العاصفة ويخسر حزبه الانتخابات التالية باعتباره أحد أسباب الأزمة التي عادت للعصف بالبلاد من جديد. وبما أن عالم العولمة لا يمكن أن ينهض فيه اقتصاد من كبواته ما لم يعتمد على الاستثمارات الأجنبية، فقد فشل الرئيس الأرجنتيني الجديد "فرناندو دي لا روا" في تحقيق أي تقدم لان رأس المال في عالم العولمة لا يطالب بالكثير من التنازلات فقط، بل يفرض رجاله الذين يثق في انهم سينبهوه إلى المخاطر قبل وقوعها، فيهرب بما يحقق من أرباح قبل أن تقع الكارثة. وتلفت الرئيس الجديد من حوله بحثا عن رجل يثق فيه رأس المال الأجنبي فلم يجد، وتسكينا للآلام الاقتصادية لبلاده لجأ إلى صندوق النقد الدولي لينقذه من الأزمة التي تكاد تعصف به قبل أن يكمل عامه الأول على كرسي الرئاسة، لم يشهد فيه سوى الإضرابات والأزمات، فاقرضه الصندوق 40 مليار دولار، إنها ثروة بكل المقادير أيا كان حجم اقتصاد البلاد، وهذا القرض يحتاج إلى خدمات تقدمها البلاد للمؤسسات المقترضة تكاد ترهن مستقبل الوطن والشعب لعشرات السنين . مع ذلك فشلت هذه المليارات الأربعين في إخراج الاقتصاد الأرجنتيني من ازمته، وتحول هذا الدين الضخم إلى مجرد "حبة أسبرين" لتسكين صداع الاقتصاد الأرجنتيني فقط، لا لاخراجه من أزمته. عندها عرض الوزير السابق خدماته على الرئيس الذي ينتمي إلى حزب وأيديولوجية متعارضة مع أيدلوجية الوزير السابق، ولكن بما أن كافالو يؤمن بان تحقيق الطموح الشخصي لا يجب أن تقف أمامه أي عقبات من أي نوع، فقد قبل العمل مع الحزب الذي كان يجلس في مقاعد المعارضة عندما كان هو يعتبر «السوبر وزير» في حكومة الرئيس منعم . ذهب الوزير بقدميه إلى «وكر» المعارضة التي كانت تنتقده صباح مساء ليؤدي لها الخدمات المطلوبة، ولكن مقابل أن يكون أيضا «السوبر وزير» في تلك الحكومة التي كانت تمثل له جحيم الأمس. وكما كان متوقعا، جاء الوزير الجديد وجاء معه الهدوء إلى الأسواق المالية المتقلبة التي كانت تعصف بعملة البلاد، بعد أن اتخذ العديد من الإجراءات بعضها غير مفهوم حتى لأقرب مستشاريه ومساعديه، لكنها إجراءات مطلوبة لتهدئة الجماهير التي تترقب الوضع، فالوزير يعرف أن القرارات الاقتصادية أيا كان نوعها غير مقبولة جماهيريا، ولا يجب أن تكون وحدها في الأسواق لتحقق الهدوء والاستقرار، انه وزير مجرب وله طموحاته أيضا، لذلك فهو يجيد فن السياسة التي تعتمد على قول نصف الحقيقة مغموس في العسل، واخفاء النصف الآخر مغموسا في السم إلى أن تحين الفرصة لتمريرها إلى الأفواه. المعترك السياسي لم يكن الوزير دومنجو كفالو بردا وسلاما على جراح الاقتصاد الأرجنتيني لحساب الشعب والبشر، بل كان مزيدا من الاقتراض من صندوق النقد الدولي، إلا أن وجوده على رأس وزارة الاقتصاد طمئن رؤوس الأموال الأجنبية إلى انه سيكون جرس إنذارها حين تنقلب الأمور وتتحول معادية لها فبدأت تعود من جديد إلى الأرجنتين . الوزير الأرجنتيني الجديد أو "السوبر وزير" يدخل المعترك السياسي في بلاده ليسا حبا في رئيس البلاد الذي يقف في الطرف الآخر من خطه الأيديولوجي الرسمي، وليس حبا في الشعب الأرجنتيني، بل طمعا في تحقيق طموحاته التي أجهضها الرئيس كارلوس منعم قبل أن تتحقق قبل عشر سنوات. نوعية هذا الوزير، أيا كان نجاحه في إعادة الهدوء إلى الاقتصاد الأرجنتيني، من نوعية «فوجيموري» رئيس البيرو السابق ومنافس بارجاس يوسا الذي خدع الشعب البيرواني طوال عشر سنوات ليخرج بعدها هاربا من السلطة بعد أن كان حاكم البلاد الاوحد، وأيضا من نوعية الكاتب بارجاس يوسا، الذي تنقل بين الأيديولوجيات جميعا ليحقق طموحاته الشخصية، وهي شخصيات تظل في النهاية في وضعها الطبيعي في بلاد مثل بلاد أمريكا اللاتينية التي أدهشت العالم في الفنون وتدهشه حاليا في السياسة. ـ كاتب مصري