في أول مرة أسافر فيها لوحدي لحضور دورة تدريبية في بلد عربي شقيق أخذت ألوم نفسي فور وصولي الى الفندق الذي نزلت فيه لأنني تصرفت بأنانية عندما وافقت على الاشتراك في الدورة، وتصنعت القوة والقدرة على كبح وساوسي وعواطفي بعكس ما فعلته زميلاتي عندما رفضن السفر بسبب الإرتباط الشديد بأطفالهن الصغار. وبعد يوم واحد بدأت احسد الأمهات أيام زمان على طموحاتهن المتواضعة التي لم تحملهن على السفر في دورة تدريبية او بعثة دراسية او حتى رحلة عمل قصيرة الى مدينة قريبة ولم تضطرهن الى ملازمة أجهزة التليفونات المتحركة او المرابطة في ردهات الاستقبال خوفاً من وصول مكالمة مهمة عن الأولاد في الأوقات التي يطلب منهن فيها إغلاق «الموبايل». كان أول ابتعاد عن أطفالي عندما عدت الى العمل بعد ولادة طفلي الأول الذي تركته في بيت والدتي لتقوم برعايته وفي البداية كنت أداوم وبالي مشغول به ومع الزمن أخذت أتناسى أن لي طفلاً صغيراً متروكاً في مكان ما. وكنت بذلك أفضل حالاً من كثير من الأمهات اللاتي أذكر من مواقفهن ما فعلته واحدة غادرت المستشفى على مسئوليتها بعد يوم واحد من ولادتها لأنها تركت طفلها الصغير ابن العامين في رعاية اختها. لكنني أعرف ايضاً واحدة تردد باستمرار: طفلي مع أمي، طفلي مع أختي، طفلي مع الخادمة، وأنا في الرحلة أو وأنا في العزيمة أو وأنا مسافرة! أما أنا فقد لازمني الرعب في اليوم الثالث حتى من الاتصال للاطمئنان على أطفالي خوفاً من أن يكون احدهم مريضاً او أي شيء لا سمح الله وقاطعت الرحلة الترفيهية وزيارة المعالم المهمة وقررت أن أقاطع حفلة التعارف وحزمت حقائبي «قبل الحشر بعشر» عندما جننت من القلق..