فى جامعة هارفارد عدد كبير من المكتبات، وليس فيها مكتبة واحدة عامة كما فى أغلب الجامعات التى أعرفها. وقد تعرفت على تسع من هذه المكتبات التى يمكن أن تفيدنى فى عملى الأدبى، ولم أتعرف على الباقى! إما لأنها تخرج عن دائرة اختصاصى واهتماماتى، وإما لأنها بعيدة عن المكان، خصوصا بعد أن وجدت كفايتى وما يزيد من الكتب فى مكتبة وايدنر. وهى إحدى المكتبات الأساسية للجامعة، وتحتشد فيها مؤلفات العلوم الإنسانية والاجتماعية على سبيل التخصيص، وهى قريبة جدا من مكان عملى ومن منزلى على السواء. ولذلك اكتفيت بها عن غيرها من المكتبات التى لا أعرف عددها الى الآن، وإن كان بعض الزملاء أخبرنى أن الأساسى منها يزيد على عشرين مكتبة، فضلا عن عشرات المكتبات الصغيرة فى المراكز والأقسام العلمية والبحثية، وأذكر أن من أخبرنى بذلك دهش عندما استمع الى سؤالى عن عدد الكتب التى تمتلكها مكتبات جامعة هارفارد، فأخبرنى أنها تبلغ حوالى خمسة عشر مليون كتاب وثلاثمئة ألف وربما أكثر. ولما رأى دهشتى البالغة قال: ولماذا تعجب؟! ألا تعرف أن جامعة هارفارد هى أغنى جامعات العالم بلا استثناء، وأن موازنتها المالية أكبر من ميزانية بعض الدول، وأن نشاطها الاستثمارى والعلمى يجاوز المليارات التى لا تتخيلها أيها القادم من جامعة القاهرة الفقيرة. ولم أشعر برغبة فى المجادلة، أو حتى الدفاع عن جامعة القاهرة، وإنما شعرت بالدهشة التى دفعتنى الى تذكر أننى لم أبحث عن كتاب فى مكتبة وايدنر إلا وجدته، وأننى كثيرا ما فوجئت بوجود كتب ومطبوعات ما كنت أتخيل إمكان وجودها هناك، وأن عمليات المتابعة والتزويد لا تكف عن الحركة والنشاط والاضافة. ولذلك لم أعجب أن عدد الكتب فى وايدنر قد تزايد الى الدرجة التى ضاق معها المبنى الضخم بأدواره العديدة، وسراديبه، ومخازنه التى تبدو بلا نهاية، عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الكتب، وهو الأمر الذى دفع ادارة الجامعة الى تخصيص قطعة أرض جديدة مترامية الأطراف خارج دائرة مبانى الجامعة، لبناء مكتبة اضافية كما دفعها الى تعديل نظام مكتبة وايدنر، واللجوء الى طريقة جديدة فى التخزين، واضافة مخازن جديدة. وقد ترتب على ذلك أن الباحث عن الكتاب، أولا بواسطة الكمبيوتر، سوف يعرف هل هو موجود فى المبنى نفسه أم فى المخازن، فاذا كان فى المبنى فإن الكمبيوتر يحدد له الطابق والموقع المحدد والرف المحدد، فيذهب اليه على الفور، أو يعرف الباحث أن الكتاب فى المخازن فيصدر للكمبيوتر أمرا باخراجه، ويعود فى اليوم التالى ليجد الكتاب جاهزاً فى انتظاره. أذكر أن مكتبة وايدنر فتنتنى عندما تعرفت عليها للمرة الأولى منذ ستة أعوام، فقضيت فيها الكثير من الوقت، إما بين قاعات القراءة فيها، حيث توجد قاعات للمراجع العامة، وأخرى للدوريات، وأخيرة للجرائد.. وكنت أصعد سلالم المخازن لأستقر فى الدور السادس، حيث توجد الكتب الأدبية فى أجنحته، وأقضى الساعات بين الأرفف متفرجا على الكتب، مكتشفا عشرات من الكتب الجديدة التى لا أعرفها، حتى فى مجال تخصصى، ولذلك خصصت يوما بعينه من أيام الأسبوع للتجول الحر بين صفوف الكتب، والانطلاق بلا هدف محدد، سوى تعرف الكتب التى لا نهاية لها على الأرفف التى كانت تحيط بى من كل مكان، وكنت أشعر بها تحنو على ظمأى الدائم الى المعرفة، وتنقلنى مثل البساط السحرى بين أقطار العالم ولغاته ومعارفه بلا دليل، فى الوحدة المطلقة والصمت الذى لا يقطعه سوى دقات كعب حذائى على الأرضية الرخامية أو فى الممرات الخشبية، مستنشقا غبار الكتب الخفيف الذى ينشر على المكان كله غلالة تبعث على الرهبة والرغبة. للأسف، تغير هذا النظام فى هذه المرة، فمع تزايد المخزون، اضطر المسئولون الى نقل الآلاف المؤلفة من الكتب فى مخازن خارج المبنى، لكن مع تسهيل الحصول عليها بواسطة تعديل نظام البحث الالكترونى عن الكتب بواسطة أجهزة الكمبيوتر التى تقوم مقام الفهارس، أو بتوسيع شبكة أنظمة المكتبات وتوصيلها بأجهزة الكمبيوتر الموجودة فى مكاتب الأساتذة.. وهكذا، أصبح كل أستاذ يستطيع أن يتصل من خلال جهازه بنظام مكتبة وايدنر أو غيرها، ويعرف أين يوجد الكتاب الذى يريده، لو كان على الأرفف، أو يأمر بإحضاره لو كان فى المخازن الخارجية. الطريف أننى قضيت فترة اقامتى الأولى فى جامعة هارفارد، ولم يشغلنى اسم (وايدنر) الذى كنت أحسبه مجرد اسم يطلق على مبنى فحسب، وكنت أنسى السؤال عن صاحب الاسم فى غمرة اعجابى بالمبنى الهائل الاتساع، وبقاعاته وأدواره وتماثيله وتحفه وممراته التى تبدو كاللابرنث أو التيه. هذه المرة، كنت قادما من الخارج، فى وسط الثلج المتساقط، وفتحت الباب الخارجى للمكتبة، وظللت برهة فى الممر الصغير الذى يصل ما بين الباب الخارجى والباب الداخلى كأنه نقطة عبور ينتقل بها الداخل من صخب عالم الخارج الى هدوء عالم المكتبة. وأثناء نفضى رذاذ الثلج عن معطفى، لمحت كتابة على الجدار الداخلى لهذا المعبر. وكانت الكتابة تقول: إن هذه المكتبة أنشأتها السيدة إليناور إلكنز وايدنر لذكر ابنها هارى وايدنر الذى مات غرقا مع السفينة (تايتنك) فى مياه المحيط، وأذكر أننى توقفت أمام هذه الأسطر، وتركت الذكريات تنساب الى ذهنى عن غرق السفية (تايتنك ) فى الفيلم الأخير الذى شاهدته الدنيا كلها، والذى حصد أكثر الجوائز منذ عامين أو يزيد قليلا. ولم أترك المكان إلا بعد أن قررت بينى وبين نفسى معرفة ما يمكن معرفته عن هذا الشاب الذى خلدت هذه المكتبة العظيمة ذكراه الى الأبد.. ودخلت الى المكتبة وأخذت أبحث عن الكتب التى تعرض لتاريخ جامعة هارفارد التى تأسست فى القرن السابع عشر، وظلت تنمو مع تعاقب القرون والعقود، أما هارى وايدنر فكان أحد الأثرياء الامريكيين الذين استقلوا السفينة تايتنك فى رحلتها الأولى التى لم تكملها ما بين ميناء ساوثهامبتون فى انجلترا ونيويورك فى الولايات المتحدة. وكان هارى على السفينة مع والده ووالدته، فغرق مع والده، بينما نجت أمه ووصيفة لها من الموت على إحدى قوارب النجاة. وفى ذلك الوقت، كانت مكتبة هارفارد القديمة التى كان يطلق عليها اسم جورهول قد ضاقت بحوالى نصف مليون كتاب تحتويها، ولم تعد تقبل المزيد من الاتساع، وتقرر هدمها، وبناء مكتبة أخرى محلها تستوعب مليونين ونصف كتاب، وتتكلف مليونين من الدولارات بأسعار مطلع القرن العشرين. وبدأ البحث عن المتبرعين وهو البحث الذى عاصره غرق السفينة تايتنك، وغرق هارى وايدنر الذى كان شابا مولعا بجمع الكتب، وامتلك وهو فى السابعة والعشرين من عمره مكتبة كاملة للمجلدات النادرة. وقد كتب فى وصيته أنه يوصى بكتبه لجامعة هارفارد، شريطة أن توضع فى مكان لائق. وفكرت والدته أنه من المناسب أن تتبرع ببناء جناح جديد فى (قاعة جور) أو تقيم مبنى صغيرا لكتب ابنها بجوار (قاعة جور) ولكن رجال هارفارد شجعوها على أن تتبرع لبناء مكتبة جديدة يطلق عليها اسم ابنها، فوافقت فى شهر يونيو سنة 1912 على بناء المبنى الذى أصبح يعرف باسم (مكتبة هارى إلكنز وايدنر التذكارية). ووضع تصميم المكتبة التى بنيت فى سنوات معدودة واحد من أشهر المعماريين الأمريكيين، واكتملت بما جعل منها تحفة معمارية متميزة، سواء بأعمدتها القوطية التى تميز الواجهة، أو السلالم العديدة، أو الممرات، أو القاعات، وأهمها بالطبع قاعة وايدنر التذكارية التى لا تزال تحتفظ بأندر مجموعات الكتب التى كان يملكها. أقول لكم الحق، لم أستطع بعد أن عرفت هذه المعلومات، وكثيرا غيرها، سوى أن أدعو بالرحمة لروح هارى وايدنر، ذلك الشاب الذى عشق الكتب، وعشق اقتناء النادر منها، وأوصى بها بعد موته للجامعة التى أحبها، فكان مثالا لهؤلاء الأفراد المتميزين الذين نهضت بجهودهم عظمة الجامعات فى العالم. وكان من حسن حظ هارفارد بالطبع أن والدة هارى الثرية لم تكتف بتقديم الكتب التى أوصى بها ابنها بل قدمت الكثير من المال الذى ساعد على اكتمال المكتبة.