لماذا أمر عرفات بحل لجان المقاومة الشعبية التي ظلت تتحمل عبء وشرف اعظم واشرف انتفاضة فلسطينية لمدى الشهور السبعة الأخيرة؟ وفقا للمنطق النظري فان الرئيس عرفات يجب ان يكون قد اتخذ هذا القرار بالغ الخطورة بناء على صفقة مع العدو التزمت اسرائيل بمقتضاها سحب قواتها القمعية في الضفة وغزة وفك الحصار المضروب على المدن الفلسطينية واجراءات اخرى من هذا القبيل. لكن مثل هذه الصفقة لم تعقد اطلاقا. وليس هذا مجرد استنتاج اجتهادي انما هو قول عرفات نفسه. والقصة برمتها اخذت تتنقل في الأيام الاخيرة من غموض الى غموض اشد مع غياب شبه كامل للشفافية. فهناك فجوة عظيمة بين القيادة العليا الفلسطينية على صعيد السلطة والقيادات الشعبية على صعيد الشارع. ويبرز عمق هذه الفجوة بصفة خاصة عندما يتعلق الأمر باتصالات فلسطينية اسرائيلية. فهنا يتكشف ستار السرية الذي يضربه رجال السلطة الفلسطينية على طلوعهم ونزولهم. وخلال الاسبوع وقعت تناقضات غريبة حول اجتماع أمني عقد دون اعلان مسبق بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي. وبعد اختتام الاجتماع وصل وزير الخارجية الاسرائيلية شمعون بيريز الى القاهرة حيث عقد مباحثات مع الرئيس حسني مبارك. وفي مؤتمر صحفي اعلن الرئيس مبارك ان بيريز ابلغه بأن الفلسطينيين والاسرائيليين توصلوا الى اتفاق «بوقف اطلاق النار».. كتمهيد لاستئناف التفاوض. ومن هنا حدثت تداعيات. فمن تل ابيب نفى الوزير الاسرائيلي ما نقل عنه في القاهرة.. او بالأحرى «صحح» ما قيل على لسانه كما ادعى. وفي كلمات منتقاة قال بيريز ان ما أبلغه الى الرئيس مبارك هو ان الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي توصلا الى «توافق» حول «كيفية السيطرة على الوضع» وليس الى «اتفاق» لوقف اطلاق النار! فما هي الحقيقة؟ لقد صدرت الحقيقة عن عرفات بطريقة غير مباشرة وغير مقصودة في آن معا. من غزة أعلن عرفات عن «دهشته» تجاه ما صدر عن الرئيس مبارك بناء على رواية بيريز. وفي لهجة قاطعة نفى عرفات ان الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي توصلا الى اتفاق. واذا كان قول عرفات يبدو وكأنه تعزيز لادعاء بيريز ومتطابقا مع نفي الوزير الاسرائيلي فان هذه ليست نهاية القصة.. اذ يبقى سؤال كبير: اذا كان الجانبان الفلسطيني والاسرائيلي لم يتوصلا الى اتفاق لوقف اطلاق النار كما قال عرفات فعلى أي أساس أصدر الرئيس الفلسطيني ـ قبيل ساعات معدودة من وصول بيريز الى القاهرة ـ امره بحل لجان المقاومة الشعبية؟ ان قرارا بهذه الجسامة والخطورة لا يمكن ان يتبلور لدى الرئيس الفلسطيني الا اذا كان في اطار صفقة بين الطرفين على اساس تنازل مقابل تنازل «لوضع نهاية للعنف». من الارجح ان الرئيس مبارك كان صادقا ودقيقا في روايته عما سمعه من الوزير الاسرائيلي بيريز، لكن يبدو ان الوزير الاسرائيلي تعرض لدى عودته الى تل أبيب الى انتقاد من رئيس حكومته شارون. فربما رأى شارون، لاعتبارات ما، وبتوافق مع عرفات ان الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي يجب ان يبقى طي الكتمان لوقت ما.. او ربما ان شارون ادرك ان عرفات ليس في موقف يمكنه من الوفاء بالجزء الفلسطيني من الصفقة الذي يقضي بتصفية لجان الانتفاضة بغرض وضع نهاية للانتفاضة نفسها. ويبقى مغزى القصة.. وهو تغييب الشفافية الذي اتخذت منه السلطة الفلسطينية منهجا ثابتا في التعامل مع شعبها.