هل يمكن أن ينشأ من جديد تحالف صينى روسي يتصدى لأمريكا ويحاول تغيير صيغة عالم القطب الأوحد..؟ على طريقة المسرح كان هناك اللاعبان الرئيسيان في الدراما التي تابعها العالم خلال الاسابيع القليلة الماضية وقرأها النظارة على لافتة المسرح تقول.. (أمريكا تتجسس على سور الصين العظيم) ثم يحاول مؤلف المسرحية أن يفسر أكثر فيورد لها عنوانا فرعيا يقول فيه: عندما ضبطوا طائرة تجسس أمريكية تتجسس فوق سموات الصين. بطلا المسرحية كانا يتحاوران على المسرح في ديالوج طويل.. وفجأة.. وعلى طريقة التعاليم أو التوجيهات المسرحية يدخل لاعب ثالث لم يكن له لا في الثور ولا في الطحين كما يقول المثل الشعبى الذائع في أرياف مصر. روسيا الممثل الثالث هكذا فوجئ المشاهدون بالممثل الثالث الذي قطع سير الأحداث وكان اسمه.. روسيا التي جاء دخولها على خط الحوار المتوتر بسبب حادثة الطائرة بين واشنطن وبكين ليضيف عنصرا جديدا مشحونا بالاحتمالات التي أصابت صاحب القرار الأمريكى بانزعاج شديد.. بل انها كادت تستدعي من ذكريات منتصف القرن العشرين حوادث ووقائع وطيوفا تتمحور جميعا حول ظاهرة جوهرية تتمثل فى سؤال: ترى هل يمكن أن ينشأ من جديد تحالف صينى روسي يتصدى لأمريكا ويحاول تغيير صيغة عالم القطب الاوحد الذي نعيش فيه؟ هناك من أساتذة العلوم السياسية في أمريكا وبعضهم متخصصون في متابعة سلوك القيادة الروسية ربما منذ الحقبة السوفيتية الغابرة وهو التخصص الذى مازالوا يطلقون عليه اسم (الكرملينوجيا). هؤلاء الاساتذة والمفكرون باتوا يشيرون الى دور لعبته روسيا مع الصين حتى قبل اندلاع حادثة طائرة التجسس الأمريكية وهذا الدور الروسي حديث نسبيا.. فهو لا يعود الى ربيع شهر العسل القديم الذي شهدته مطالع الخمسينيات بين موسكو ستالين وبكين ماوتسى تونغ بل انه دور يعود إلى سنوات العقد التسعيني الذى ضم حقبة القرن العشرين في العقد المذكور استطاعت روسيا يلتسين أن تبيع الصين معدات عسكرية متقدمة وخاصة فى مجال الأسلحة البحرية وكانت على شكل مدمرات وغواصات من أحدث طراز.. لدرجة أن من الخبراء من بات يؤكد قدرة الصين على التواجد العسكرى الفعال وربما الحاسم المؤثر في بحر الصين وقدرتها أيضا على حسم أى صراع أو مواجهة عسكرية مع تايوان بكل ماتحوذه من ترسانات الأسلحة الأمريكية المتقدمة. يومها توقع الخبراء أيضا أن المسألة لم تكن مجرد صفقة مربحة ماديا بالنسبة للخزانة الروسية العليلة بقدر ماأنها كانت مربحة سياسيا بمعنى أن مكاسبها تتمثل كما يقول الاستاذان بروس ايلمان وس. بين وزميلتهماالبورفيسور روبن ليم استاذة السياسة الدولية فى جامعة نانزان اليابانية في تحقيق احدى المصالح الاستراتيجية الثابتة لروسيا وهي تحويل أنظار واهتمامات الصين عن مشاكلها الحدودية المزمنة مع روسيا إلى حيث تنشغل بكين بنشاطها في بحر الصين وبتوازن القوى بينها وبين تايوان. دور الميديا الروسية وعندما دخل اللاعب الروسي على مسرح الأحداث الأخيرة سبقته أقوال ودعايات وطروحات حفلت بها الميديا الناطقة بالروسية وكلها انتقدت بل هاجمت ماوصفته بانه سلوك الهيمنة والفتونة بل والبلطجة الذى اتبعته أمريكا ازاء مشكلة الطائرة التجسسية مع الصين. ثم اتخذ المحللون والمعلقون الروس خطوة أبعد حين دعوا الصين الى تفكيك الطائرة اياها وتقسيمها قطعا واجزاء صغيرة ثم اعادتها الى أمريكا في صندوق مع خالص التحية. ومن هؤلاء المعلقين الروس من وصل إلى حد الدعوة الى شراكة بين موسكو وبكين في تدارس وتحليل واستيعاب البيانات المستقاة من الفحص الدقيق لطائرة التجسس الأمريكية التي ظلت رابطة فوق أرض الجزيرة الصينية ولم تسمح الصين لأمريكا بالوصول اليها الا مع آخر أيام شهر ابريل الماضي. الموعد يوليو المقبل على خلفية هذه التطورات يمكن من جانبنا العربي أن نرصد الجهود الحثيثة وبعضها غير معلن أو بعضها متوار في ظلال الأحداث من أجل التوصل لتحالف استراتيجى جديد بين روسيا والصين. ونحن من جانبنا أيضا نلفت النظر إلى أن الجانبين قد حددا مبدئيا شهر يوليه المقبل موعدا للتوقيع على معاهدة صداقة وتعاون بين الطرفين. لسوف تتوقف درجة سخونة، أو برودة المعاهدة المرتقبة على النتائج التي تسفر عنها مواجهة أمريكا الصين وتوابع حادثة طائرة التجسس.. ومن البديهى انه اذا واصلت أركان الحزب الجمهورى دق طبول السلوك العنيف مع الصين.. ومن ثم اذا واصل لوبي تايوان وهو مجموعة مصالح ومجمع ضغط قوي ومؤثر في العاصمة الامريكية ضغوطه التي يبدو أنها تنجح حاليا من أجل استفزاز الصين الأم من خلال تحديث تسليح تايوان وتعزيز مركزها التجاري وفسح المجال أمام المزيد من الحركة الطليقة على المسرح الاقتصادي والسياسي الدولي اذا مااستمر هذا كله.. لسوف يفضي الأمر الى المزيد من تعميق وتمتين التحالف الذى مازال في بداياته بين الصين وروسيا خاصة وأن في كلا البلدين قيادات لا تنتمى إلى مواريث الماضي (الصراع الايديولوجي المرير بين العاصمتين أيام أوج المد الماركسي الشيوعي حيث كان الفريق خروشوف يتهم الصين بالجحود المذهبى الستالينى فيما كان الرفيق ماو يرد باتهام موسكو بالتخريفية والانهزامية والتراجع البورجوازى عن صحيح الماركسية.. الخ) كل هذه الدفاتر المنحدرة من الماضى تم طيها واغلاق صفحاتها فيما نتصور وباتت قيادات اليوم بوتين بالذات تتطلع الى بناء تحالفات جديدة تقوم على المصالح المشتركة وخاصة من أجل مايفهمونه على انه التصدى للهيمنة الأمريكية التي جعلت أمريكا مسيطرة على مقاليد أحدث وأهم منظمة دولية وهي منظمة التجارة العالمية حيث يظل بإمكانها أن تملي شروطها على سائر الدول والنظم والاقتصادات في شرق العالم وفي غربه على السواء. ماذا قال فريدمان في هذ الصدد لا يتورع كاتب المفروض انه ذكي واع وهو توماس فريدمان عن أن يظهر للصين مايمكن وصفه بأنه العين الحمراء حين يقول (نيويورك تايمز ، 15 إبريل) أن على الزعماء الصينيين أن لا يصدقوا الخرافات التي اصطنعوها فيتصوروا أن بلدهم يمثل سوقا رائجة واعدة بالمكاسب بحكم ضخامتها بما يجعل أمريكا ترضخ لما قد يفرضونه من شروط.. ثم يضيف فريدمان قائلا: لا ينبغي للنظم الديكتاتورية (يقصد الصين) أن تهون من شأن النظم الديموقراطية (يعنى أمريكا بطبيعة الحال). وأخيرا يمعن الكاتب الأمريكى المذكور في تحذير قادة الصين من عبور خطوط حمراء ومناطق محظورة في طريق العلاقات بين واشنطن وبكين وهو يكتب بشكل يؤكد فيه أن أمريكا لم ترتكب خطأ بحق الصين، ولم ترسل إلى أجوائها جواسيس من بشر وماكينات ولاأدت الى مصرع واحد من طياريها.. هذا المنطق الذى يتسم بالاستفزاز.. أو في أهون الأحوال بالانفعال.. يجاوبه منطق أكثر رصانة وتعقلا يقول به عدد من المحللين الأمريكيين.. ويقوم على أساس محاولة كسب الصين الى الصف الأمريكى من جديد وبذل كل ما من شأنه الحيلولة دون أن يتعانق الدب الروسى والعملاق الصينى الأصفر من جديد أيضا.. باعتبار ان هذا العناق على فرض حدوثه، سيكون على حساب أمريكا.. الهيبة والمصالح أيضا هذا المنطق المتعقل، الذكي كما نصفه أيضا يعمل على تنبيه، بل تحذير صين اليوم ازاء الاطماع الروسية الثابتة والمتواصلة منذ عهد القياصرة في القرون الماضية.. وفي هذا الصدد يقول الأساتذة الثلاثة الذين اشرنا اليهم فى صدد هذا الحديث (في دراسة نشروها مؤخرا هيرالد تربيون، عدد 18/4/2001). قامت الاستراتيجيات الروسية الجيوبوليتيكية على أساس أن تعمل روسيا لكى تظل الصين المتاخمة لحدودها بلدا يعانى التجزئة ويشوبه الضعف ويعيش متكلا على الآخرين.. وعلى قادة الصين ألا ينسوا أن القياصرة ومن بعدهم السوفييت اقتطعوا من اقليم الصين قطعة هائلة من الأرض أكبر من منطقة الولايات المتحدة شرقى نهر المسيبسبى. ذكريات مع ستالين ويأمل المفكرون الأمريكيون، وبالطبع يأمل واضعوا السياسات وصانعو القرار في الولايات المتحدة في أن يتذكر الصينيون كيف أن جوزيف ستالين، وهو الزعيم السوفييتي (المنفصل) أو الذي كان كذلك لدى (قيادات الحزب الشيوعي الصيني قد هيا أكثر من فرصة لاستدراج بكين الى مستنقع الحرب الكورية، في أوائل الخمسينات لكي يكون جنودها طعاما سائغا للمدافع الأمريكية حيث أن استراتيجية موسكو تقوم باستمرار على أساس الخشية من جار صينى قوي مقتدر.. فمابالك وان الجار الروسي الحالي يعاني كما هو معروف من مشاكل اقتصادية وعلل سياسية معظمها جذري وهيكلي ويستغرق زمنا طويلا للتصدي له ومعالجته، فضلا عن اصلاحه.. الأمر الذي يحول المخاوف الروسية الى كابوس يعكر منام الكرملين لاسيما وأن الصين حققت في الآونة الأخيرة معدلات مرموقة في خطط التنمية وانفتاحا معقولا، لأنه كان عاقلا ومحسوبا على العالم الخارجي وبلغت معقوليته انهم بعد أن استعادوا هونج كونج في آخر القرن العشرين.. لم يعمدوا إلى تثوير نظامها ولا إلى تحويل جذري في توجهاتها الاقتصادية بل رفعوا ولا يزالون شعار (بلد واحد واقتصادان مختلفان) في اشارة بليغة من جانب الصين إلى انها سوف تظل محتفظة بنظام الحزب الواحد والتخطيط الاقتصادي المركزي على مستوى الصين الشعبية الام فيما تعمد الى الابقاء على نظام هونج كونج بتوجهاته الرأسمالية المستندة الى قوانين السوق وفي مقدمتها طبعا قانون العرض والطلب. وربما زاد من وطأة الكابوس الروسي ذلك الاقتراب بين الصين وأمريكا وخاصة في غضون الولاية الثانية للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون الذي تولت ادارته تحويل النظرة إلى الصين من موقع الخصم اللدود إلى مكانة الخصم المنافس في ضوء شعار (التعاطي أو التفاعل الايجابي مع الصين وصولا إلى التقارب معها). ماأحلى الرجوع إليه في ضوء هذا كله ينشط عقلاء السياسة الأمريكية الى تحذير ادارة بوش الحالية من التشدد إلى حد المغلطة ناهيك عن الاستعادة والاستعداء والقطيعة مع الصين. وفى نفس الوقت يرسلون تحذيرات تكاد تشعر معها انها مشوبة بنوع مماقد نصفه بانه (الحنان السياسى) ان كانت السياسة تعرف أصلا مثل هذه المشاعر ومؤداها. (اننا ننصح الصين ألا تعود الى علاقة مجددة مع روسيا مرددة فى ذلك شطر بيت الشعر الشهير (ماأحلى الرجوع اليه). ثم يضيف عقلاء السياسة الامريكية في هذا الصدد. فليتذكر الصينيون معاهدة الصداقة والتعاون الأولى المبرمة بين نظام الرفيق ماو والرفيق ستالين عام 1950 ظلت هذه المعاهدة منفذة (في رأى الأمريكان) لصالح روسيا وفي صالح الصين على طول الخط.. أفلا يكون ذلك درسا مستفادا لزعماء الصين الحاليين أو هم مقدمون كما تقول الأقوال والأقاويل على معاهدة صداقة وتعاون جديدة في شهر يوليو المقبل..؟ ويضيف الأساتذة الأمريكيون الثلاثة الذي أحلنا الى دراستهم المنشودة قائلين: ولو قيض لبكين أن تقرر من جديد تكرار استراتيجية الانحياز الفاشلة الى موسكو، فإن تجارة الصين الدولية سوف يكون مصيرها الانهيار. هكذا قال ساسة أمريكيون وهكذا حذروا. تحذيرات أمريكية ولك أن تشعر بأن فى الأمر نبرة تحذير وأن الامر كله مزيج من النصح المخلوط بالانذار. كيف لا.. والأساتذة الثلاثة يواصلون حديثهم فيلوحوا للصين: بأنه سيصعب عليها اذا ماعاودت التحالف مع روسيا بوتين أن تدخل عضوا أصيلا في منظمة التجارة العالمية (حيث أمريكا تقف عند باب المنظمة تفتش وتدقق في أوراق الداخلين). وأن طموح الصين إلى استضافة دورة الأولمبياد العالمية فى سنة 2008 وعليك خير جدير بأن يتبدد وتتكسر موجاته على صخرة التحالف الروسى الصينى المقرر في الصيف الحالي. وان هذا التحالف على فرض حدوثه جدير في رأى الأمريكان بان ينجم عنه حالات توتر وشد وجذب تصيب منطقة جنوب وشرقي القارة الاسيوية ومنطقة الشرق الأسيوي الأقصى. وأن أمريكا لن تقف ازاء هذه التوترات الاقليمية المنتظرة مكتوفة اليدين، بل سوف تنهض بمسئولياتها التي تلتزم بها ازاء الدعم العسكرى والامن الاستراتيجى لكل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وهم حلفاؤها التقليديون منذ أيام الحرب الباردة. الكريشندو ولعلك تلاحظ معنا كيف بدأت المسألة بنغمة نصيحة مزجاة.. فتحولت وثيدا عند أساتذة ومحللى السياسة الأمريكيين الى نغمة تذكير وتحذير.. ثم مالبثت أن تصاعدت في ايقاع تراتبى محسوب الى ذروة (كريشندو) تصل بها الى مستوى الانذار ان لم يكن التهديد السافر للمصالح الاقتصادية (تجارة العولمة) والطموحات القومية (الدورة الأوليمبية) للصين. وبعد نغمة الذروة الكريشندو تعود المعزوفة الى سفح التهدئة حيث يتساءلون بالحرف الواحد: فما الذي تجنيه الصين اذن من روسيا وقد باتت اليوم دولة عظمى سابقا فيما أصبحت تفتقر إلى الثروة والسلطة بما يمكنها أن تلعب دورا قياديا فى السياسة الدولية؟ ثم يختمون الحديث فى حسم قائلين: على الصين أن تأخذ حذرها.. والا تحولت رغبتها في رفض هيمنة الولايات المتحدة الى معول يدمر القاعدة الاقتصادية التى ينهض عليها استقرار الصين السياسى وقوتها العسكرية.