يحتفل العالم اليوم بيوم حرية الصحافة التي يحلم بانتزاعها والحفاظ عليها كل العاملين في بلاط صاحبة الجلالة، ويعتبرها الأعداء التقليديون لمهنة البحث عن المتاعب كابوساً يؤرقهم في سباتهم الأبدي، حتى لا تنفتح ثغرة في جدران الصمت على افتراءاتهم وانتهاكاتهم لكل الثوابت الاخلاقية والاقتصادية والسياسية التي تكفل لمجتمعنا البشري التطهر من ادران العنصرية والفساد وسوء استخدام السلطة او الجنوح نحو غطرسة القوة، وسياسة السير بالاحذية الثقيلة فوق جثث المدافعين عن الحق والحالمين بالعدل. وأبرز مظاهر الاحتفال التي تجرى في ويندهول عاصمة ناميبيا، تسليم الجائزة العالمية لحرية الصحافة التي ترصدها اليونسكو لصحفي بورمي معارض طريح فراش المرض، بعد أن ضعضع السجن وعذاباته عظامه. وتكتسب جائزة اليونسكو قيمتها من منحها الى صحفي يجهل الاعلام العالمي اسمه، ولم يصنف ضمن دائرة النجومية التلفزيونية، فهو ليس وجهاً مألوفاً لبرامج الحواريات الفضائية، بجدها القليل وعبثها الكثير. وتتضاعف قيمة الجائزة من كونها وجدت طريقها الى الصحفي يودين تين الذي فضل قضاء ماشاء له عسكر بلاده من اعوام خلف جدران السجن على بيع قلمه، أو يدجن نفسه ويطوعها للتواءم والتعايش مع حكومة قاهرة لشعب بورما، الذي تغير اسم بلاده ليصبح ميانمار. وتكمن القيمة الفعلية للجائزة التي تمنحها اليونسكو اليوم للصحفي البورمي، في رد الاعتبار لكل من يتشبث بالدور الحقيقي للصحافة في التنوير والدفاع عن حق رجل الشارع في المعرفة، وفي التنديد وفضح كل أصحاب العصي الغليظة الذين يحطمون المصابيح التي تضيء ظلام ليالي البشر. ولأن أوضاع الصحافة متباينة ما بين شمال العالم وجنوبه، أو بشكل مباشر ما بين أثرياء العالم وفقرائه، تتنوع اشكال التكريم، ففي الولايات المتحدة الامريكية حيث تنظم جامعة ستانفور اليوم احتفالية لتكريم 12 صحفياً من المدافعين عن حرية الصحافة، اختارت احدى الهيئات غير الحكومية منح هؤلاء الفرصة للتفرغ لدراسة متخصصة مجانية يطورون فيها قدراتهم، ويوسعون من رؤاهم، لتعميق ادائهم المهني. وتكشف مجالات الدراسة التي اختارها هؤلاء الصحفيون الامريكيون، مدى اتساع التخصصات في العمل الصحفي، فهناك مثلا تخصص في الاهتمامات الثقافية والسياسية والمعرفية لطالبات الجامعة، الجريمة المنظمة وشيوعها في المدن الامريكية، الادارة المتغيرة في وسائل الاعلام، والتأثير العالمي للصين في مجالي الادارة والاعمال. على أن الهدف من هذه الاشارة، هو التذكير بتلازم اداء الصحافة لدورها ومواصلة التسلح بالمعرفة وادوات العلم، فكلما ارتقت الثقافة والمعرفة كلما قلت فرص وقوع الصحفي في براثن بارونات الفساد أو اصحاب السلطة. وحتى يكون للصحافة العربية نصيب في الاحتفال العالمي بيوم حرية الصحافة، أقترح على الامين العام لجامعة الدول العربية ان يدشن فترة ولايته بتخصيص جائزة عربية تمنح لأفضل اعلاميين وصحفيين غير عرب لعبوا دوراً بارزاً في فضح مزاعم واكاذيب آلة الاعلام الصهيوني، أو قاموا بدور مشهود في التصدي للانحياز الاعمى الذي يسيطر على المزاج الامريكي والاوروبي وتكمن قيمة هذه الجائزة في أن تظهر لهؤلاء الذين يختارون بضمائرهم اليقظة الانضمام للعرب في معركتهم، اننا لسنا مغيبين، بل بوسعنا ان نضمن لهم الاستمرار بل الخلود في سجل الدفاع عن الحرية والحق.